السبت، 20 يوليو 2013

إتفقت الجماعة على أن ... ؟؟

تحدثت في الموضوع السابق عن بعض سيناريوهات المرحلة المقبلة . وسأواصل في موضوع اليوم التكهن ببعض السيناريوهات التي حاولت رسمها لما سيحدث خلال الفترة التي تسبق الرئاسيات القادمة . في الموضوع السابق تحدثت عن عودة الرئيس بوتفليقة واستكمال عهدته الثالثة . أو مفاجأة الجميع وإعلان ترشحه لعهدة رابعة . أو الإعلان عن رئاسيات مسبقة هذا الخريف . وتحدثت عن انقسام ( الجماعة ) حول هوية من سيخلف بوتفليقة بين مؤيد لعلي بن فليس وداعم لأحمد أويحي . ثم تحدثت عن سيناريو قد يكون مطروحا على الطاولة وهو ما عرفته مصر مؤخرا .
في موضوع اليوم سأعود للمراحل التاريخية التي عرفتها الجزائر بعد 50 سنة من تحررها واستعادة سيادتها . وكيف تصرفت (الجماعة) خلال هذه ال50 سنة مع المآزق التي وجدت نفسها فيها . كيف تتصرف (الجماعة) حين تصل في كل مرة إلى طريق مسدود في هذا الموضوع الحساس و الشائك وهو اختيار رئيس الدولة ؟
أزمة صائفة 1962:
بعد الاستفتاء حول تقرير المصير استعادت الجزائر رسميا حريتها وسيادتها يوم الخامس جويلية 1962 بعد 132 سنة من الاحتلال الفرنسي . رسميا كانت السلطة الشرعية بيد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية برئاسة بن يوسف بن خدة . لكن فرقاء الثورة انقسموا حينها بين مؤيد للحكومة الشرعية وبين من انحاز لهيئة الأركان التي يمثلها جيش الحدود بقيادة الكولونيل هواري بومدين. وقد ظهر هذا الخلاف جليا إبان ما عرف بمؤتمر طرابلس الذي انفض ولم ترفع جلسته لغاية اليوم. دخل جيش الحدود بعتاده وعدته للجزائر فاندلعت ما عرف بحرب الولايات لكن صرخة رئيس الحكومة المؤقتة بن يوسف بن خدة ( 7 سنين بركات ) أنهت المأساة . الكولونيل هواري بومدين مدعوما بما يعرف بجماعة وجدة كان قد قرر الاستيلاء على السلطة ولكنه واجه مأزقا تمثل في كونه شخصية غير معروفة وليس من قيادات الثورة التاريخية فبحث عن غطاء شرعي لذلك ، أرسل مبعوثه الخاص إلى سجن أولنوي حيث يتواجد الخمسة التاريخيين الذين حولت فرنسا طائرتهم أثناء عودتها من المغرب . لم يكن هذا المبعوث إلا عبد العزيز بوتفليقة. عرض الأخير الأمر على محمد بوضياف لكنه رفض. أحمد بن بلة قبل العرض وبعد الإفراج عنه عند مفاوضات إيفيان الحاسمة قرر امتطاء دبابة هواري بومدين . تبادل للمصالح بين الرجلين كفل لهما انتزاع السلطة فبومدين يبحث عن شخصية تاريخية تكون واجهة لحكمه . وبن بلة يبحث عن قوة عسكرية تدعمه لانتزاع السلطة بين بقية غرمائه. في أزمة صائفة 1962 (الجماعة) اختارت طريق القوة العسكرية وكان جيش الحدود الأداة التي تحققت به إرادتها في فرض الرئيس الذي اختارته .
جوان 1965:
بعد ثلاث سنوات من التعايش بين (الجماعة ) و الرئيس الذي نصبته وصلت الأمور إلى طريق مسدود وبدا أن فترة التعايش انتهت وأن الرئيس أحمد بن بلة بدأ يتخلص من أعضاء (الجماعة) بحيث أبعد وزير داخليته أحمد مدغري ووزير خارجيته عبد العزيز بوتفليقة . ثم بدأ يخطط للإجهاز على وزير دفاعه والرجل القوي في النظام الوليد وزير الدفاع والأب الروحي للجيش الوطني الشعبي  الكولونيل هواري بومدين بحيث استغل زيارته للقاهرة ليقوم بتعيين الطاهر زبيري قائدا للأركان دون العودة لوزير الدفاع . لكن بومدين وهو النواة الصلبة في (الجماعة ) تغذى برئيسه قبل أن يتعشى به. عاد من القاهرة و على الفور جمع (الجماعة ) وقرر وضع حد للمسرحية التي استمرت 3 سنوات . صبيحة 19 جوان 1965 استيقظت الجزائر على وقع انقلاب عسكري قاده وزير الدفاع على رئيس الجمهورية . لم تنفع بن بلة لا شعبيته الطاغية ولا مكانته الدولية المرموقة كأحد الشخصيات الثورية العالم ثالثية . كلمة (الجماعة) كان لها القول الفصل . هواري بومدين قرر أن يحكم هذه المرة مباشرة دون الحاجة لغطاء شخصية ثورية تاريخية عكس صائفة 1962. المأزق أو الطريق المسدود حسم مرة أخرى عن طريق القوة العسكرية .
شتاء 1979 :
بعد 13 سنة قضاها هواري بومدين في الحكم توفي  (رسميا) يوم 27 ديسمبر 1978. المكانة التي صنعها لنفسه في منظومة الحكم والكاريزما التي تمتع بها أوقع ( الجماعة ) في مأزق إذ ليس من السهل ملء الفراغ الذي تركه . كانت الترشيحات تدور حول شخصيتين هما وزير خارجية بومدين عبد العزيز بوتفليقة . شخصية عرفت بليبراليتها في عز الاشتراكية البومدينية . يوصف بأنه مقرب من فرنسا . بحث هو الآخر عن الدعم الخارجي أو الفرنسي بصفة أدق بحيث وأثناء عودته من موسكو في زيارة للرئيس بومدين الذي كان يعالج هناك أمر بتغيير مسار الطائرة والمرور فوق الأجواء الفرنسية . أرسل ببرقية للرئيس الفرنسي جيسكار ديستان يعرب له فيها ( استعداده للعمل - سويا - من أجل بناء علاقات على أسس دائمة ). وبعد وفاة بومدين كان هو الشخص الذي قرأ تأبينيته المؤثرة في مقبرة العالية .  أما المرشح الثاني فهو العقيد محمد الصالح يحياوي . شخصية توصف بالعروبية المحافظة عينه بومدين على رأس الحزب الواحد جبهة التحرير الوطني لإعادة تنظيمه وهيكلته تمهيدا للتغييرات التي كان بومدين ينوي أدخالها على منظومة الحكم . كانت الأمور متجهة لهاتين الشخصيتين لكن (الجماعة) كان لها رأي آخر . وطبعا هاته (الجماعة ) تغيرت وليست بالضرورة نفس (الجماعة) سنتي 1962 أو 1965. (الجماعة) يمثلها رئيس جهاز الأمن العسكري قاصدي مرباح كان لها مرشحها هي الأخرى وهو العقيد الشاذلي بن جديد . لا ينتمي لا الى التيار العروبي كيحياوي ولا التيار الليبرالي الفرنكوفوني كبوتفليقة . عسكري برتبة عقيد وقد كان صاحب أعلى رتبة عسكرية . قائد الناحية العسكرية الثانية . قاصدي مرباح حسم أمره وطرح مرشحين اثنين لا ثالث لهما ليختار بينهما المجتمعين بقصر الأمم بنادي الصنوبر وهما : الشاذلي أو بن جديد . (الجماعة ) حسمت مأزق رحيل هواري بومدين مرة أخرى عن طريق القوة . لكنها  كانت( ولنقل قوة ناعمة) ولم تتجل في القوة العسكرية المباشرة التي عرفها حسم الصراع سنتي 1962 و 1965 .
جانفي 1992 :
بعد انتفاضة أكتوبر1988 قرر الرئيس الشاذلي بن جديد إدخال إصلاحات سياسية واقتصادية على منظومة الحكم فقام بتغيير الدستور الذي فسح المجال للتعددية السياسية و الإعلامية . فكانت الإنتخابات التشريعية يوم 26 ديسمبر 1991. انتخابات اكتسحها حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ. هنا قررت ( الجماعة ) التدخل ووقف المسار الإنتخابي برمته . مساء ال 11 جانفي 1992 وفي نشرة الثامنة يعلن الرئيس بن جديد استقالته رسميا في رسالة قرأها رئيس المجلس الدستوري عبد المالك بن حبيلس . (الجماعة) أو كما لقبوا ب(الجانفيين) قرروا الإطاحة بالرئيس الشاذلي بن جديد واختيار شخصية أخرى غيره وهو شخصية تاريخية من الستة التاريخيين الذين فجروا الثورة التحريرية . دخل في خصومة مع سلطة بعد الاستقلال . فرضت عليه الإقامة الجبرية ووصف بالخيانة العظمى! إنه محمد بوضياف أو سي الطيب الوطني. ( الجماعة ) لجأت مرة أخرى للقوة للإطاحة بالرئيس  و اجتازت مأزق جانفي ومأزق التشريعيات وفوز الفيس . لكن هل انتهى المأزق فعلا ؟؟!!
جويلية 1992:
 بعد 6 اشهر من عودته من منفاه بالقنيطرة المغربية . تم اغتيال الرئيس محمد بوضياف صبيحة ال29 جوان 1992 بمدينة عنابة مباشرة أمام كاميرات التلفزيون . (الجماعة ) حسمت الأمر بسرعة واختارت عضو المجلس الأعلى للدولة الذي شكلته بعد الاطاحة بالشاذلي بن جديد لاستكمال عهدته . العقيد رئيس منظمة المجاهدين وقائد الولاية التاريخية الثانية : علي كافي . أختير على أساس أنه العضو الأكبر سنا ولكن كذلك لأنه كان يتقن العربية !! هذه المرة ( الجماعة ) لم تكن بحاجة لاستعمال القوة لأن الأمور كانت في صالحها و لم يكن هناك صراع من أساسه فالظرف كان دقيقا لأن رئيس الجمهورية أطيح به والرئيس الذي جيء به أغتيل على المباشر.
جانفي 1994:
انتهت عهدة الرئيس الشاذلي بن جديد التي استكملها المجلس الأعلى للدولة وكان لا بد من اختيار رئيس جديد للدولة . الظروف لم تكن تسمح بإجراء انتخابات رئاسية لهذا تم تنظيم ما عرف بندوة الوفاق الوطني. كانت (الجماعة ) تفاوض عبد العزيز بوتفليقة لتولي المنصب . وكان قانون الندوة تنص المادة السادسة منه أن تختار الأحزاب المشاركة في الندوة رئيس الدولة . ندوة قاطعتها الأحزاب الكبرى الجبهة الإسلامية للإنقاذ  التي جرى حلها بحكم قضائي . وجبهة التحرير الوطني بقيادة عبد الحميد مهري وجبهة القوى الاشتراكية. عبد العزيز بوتفليقة رفض أن تختاره هذه (الحزيبات) واشترط أن يعين مباشرة من طرف المجلس الأعلى للأمن. والأحزاب المشاركة قررت أن تختار رئيس أحد الأحزاب المجهرية وهو رابح بن شريف رئيسا للدولة. (الجماعة ) ترضخ لشروط بوتفليقة لكن تطلب منه الحضور للندوة . بوتفليقة يرفض الفكرة ويعلن رفض تولي المنصب ويحزم حقائبه ويطير إلى سويسرا . (الجماعة) تقرر تغيير المادة السادسة التي تتيح للأحزاب اختيار الرئيس . المجلس الأعلى للأمن يختار وزير الدفاع اليمين زروال رئيسا للدولة . مرة أخرى (الجماعة ) تلجأ لفرض الأمر الواقع أو  للقوة (بغض النظر عن كونها عسكرية بحتة) وتماما كما حدث في جانفي 1979 تفرض الرئيس الذي اختارته تاركة الأحزاب المجهرية التي اعتقدت أن الأمر بالسهولة الذي توهمته ترضخ للأمر الواقع بين القبول به أو (تبليط البحر إن لم يرضها الأمر!! )
أفريل 1999:
في خطابه للأمة ليلة 11 سبتمبر 1998 رئيس الجمهورية اليمين زروال يعلن عن تنظيم انتخابات رئاسية دون الترشح فيها . كان اليمين زروال أنتخب رئيسا للجمهورية يوم 16 نوفمبر 1995 في أول انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ الجزائر. لكن بعد ثلاث سنوات فقط اضطر لتقليص عهدته الرئاسية والعودة لبيته . منح فرصة ل(الجماعة ) لإيجاد بديل مناسب له . فطرح اللواء العربي بلخير اسم عبد العزيز بوتفليقة . (الجماعة) لم تمانع وقررت جعله مرشحها باسم مرشح الإجماع الوطني . دخل سباق الرئاسيات سبع شخصيات هم أحمد طالب الابراهيمي ويوسف الخطيب ومقداد سيفي ومولود حمروش إضافة العبد العزيز بوتفليقة والخمسة من أبناء النظام سبق وتقلدوا عدة مناصب في مؤسسة الحكم . وحسين آيت أحمد وعبد الله جاب الله من المعارضة . لكن مع انطلاق عمليات الاقتراع فيما يعرف بالصناديق المتنقلة المخصصة للبدو الرحل والقوات النظامية و الجالية تأكد الفرسان الستة أن (الجماعة ) اختاروا مسبقا الرئيس القادم. وأن الانتخابات مجرد إجراء شكلي فقرروا الإنسحاب . يوم اقتراع عامة الشعب يوم 15 أفريل 1999 يبقى المرشح عبد العزيز بوتفليقة وحيدا . يساوم (الجماعة ) على النسبة التي سيفوز بها . (الجماعة ) تقترح اعتباره فائزا بنسبة 53% من الأصوات بينما يصر على نسبة لا تقل عن النسبة التي احرزها زروال في رئاسيات 1995 وهي 63% . صبيحة الغد وفي مؤتمر صحفي وزير الداخلية عبد المالك سلال يعلن فوز بوتفليقة بأكثر من 73%من أصوات الناخبين! مرة أخرى (الجماعة) تنهي الصراع  وفق فرض الأمر الواقع . القوة مرة أخرى تصنع رئيس الجزائر بغض النظر عن وجه هذه القوة عسكرية صرفة كانت أم مقنعة ومقننة !!
حكاية علي الغسال :
تروي كتب التاريخ أن (الجماعة) من الانكشاريين وصلوا إلى طريق مسدود وعجزوا عن ايجاد داي للجزائر سنة 1808. وحين لم يتمكن أي طرف من حسم الصراع قرروا اللجوء للعبة بسيطة، وهي أن يخرجوا و يتجولوا في القصر وأول شخص يصادفهم يقومون بتعيينه دايا! وكان الأمر كذلك لكن المفاجأة أن الشخص الذي صادفوه لم يكن إلا علي الغسال. تقول بعض  الروايات أنه سمي بالغسال لكثرة ما سفك من الدماء .وتقول رويات أخرى أنه سمي بذلك لأنه ولد في حمام. ولكن أقربها للحقيقة تقول انه سمي بالغسال لأنه كان غسال الموتى في القصر. وهكذا قامرت (الجماعة ) بمصير الجزائر وولت أمرها لغسال الموتى . ورغم أن فترة حكمه لم تتجاوز بضعة أشهر قتل بعدها لكن خلال هذه الفترة وقعت فرنسا وروسيا القيصرية اتفاقا سريا حول الجزائر.و في عهده كاتب نابليون بونابرت داي الجزائر مهددا متوعدا. ثم أرسل بعثة عسكرية سرية طافت الجزائر وقامت بدراسة طبوغرافية عن جغرافيا الجزائر مستعينة ببعض العائلات اليهودية كعائلة بن زاحوط. وفي عهده انفلتت الأمور وعجزت الخزينة عن دفع رواتب الجيش فاستباح مدينة الجزائر وعاث فيها خرابا وفسادا!!


الرئاسيات القادمة :
من سيجلس على كرسي قصر المرادية ؟؟
أردت من خلال كرونولوجيا الأحداث أعلاه أن أجد سيناريو لما يمكن أن تعرفه الانتخابات الرئاسية المقبلة . قلت في الموضوع السابق أن الصراع ربما يتمحور حول رئيسي الحكومة السابقين علي بن فليس وأحمد أويحي. لكن كل السيناريوهات الأخرى مطروحة. بما فيها أن تختار (الجماعة ) شخصا من بينها لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وهنا لا أستبعد طرح أحد هذين الاسمين: اللواء عبد المالك قنايزية الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني والقائد السابق لهيئة أركان الجيش الوطني الشعبي قبل أن يخلفه الفريق محمد العماري . والذي أعطي صلاحيات إضافية واسعة قبل فترة . أو اللواء عبد الغني هامل المدير العام للأمن الوطني و القائد السابق للحرس الجمهوري. تماما كما فعلت حين فرضت العقيد الشاذلي بن جديد أو اللواء اليمين زروال.
كل السيناريوهات مطروحة أمام ضبابية المشهد وغموض الرؤية . وإن كانت الآمال وبعد 50 سنة هو أن تعدل (الجماعة) قواعد اللعبة وأن تعطي نكهة أو إخراج أكثر قبولا للمسرحية وأن تختار شخصين تترك لنا أن نختار بينهما بكل حرية . أن تقدم لنا مترشحين تتوفر فيهما الكفاءة وتترك لنا مطلق الحرية في الفصل بينهما. وقد أثبتت التجارب المتلاحقة أن أسلوب فرض الأمر الواقع بالقوة دائما ما يوصل إلى طريق مسدود . وكما قال أينشتاين : ( الأغبياء وحدهم هم الذين يعيدون تكرار ذات التجربة وينتظرون نتائج مختلفة )؟؟!!
(اتفقت الجماعة أن تكون الإجابة كالتالي) هي العبارة التي يستعملها المتقدم للإجابة في حصة بين الثانويات الشهيرة التي كانت تبثها اليتيمة قبل سنوات . واختيار الرئيس دائما ما يخضع لاتفاق (الجماعة) بعيدا عن أي إرادة شعبية . لكن الأمل اليوم وبعد 50 سنة من استعادة الحرية وفي السنة ال51 أن تحدث ( الجماعة ) نقلة نوعية وتتفق هذه المرة ليس لاختيار خليفة للرئيس بوتفليقة أو حتى لإنهاء حكمه . لكن لتغيير قواعد اللعبة وقواعد الإختيار. فهل هذا كثير ؟؟؟!!!

الثلاثاء، 16 يوليو 2013

سيناريوهات الرئاسيات المقبلة

لم يتبق إلا بضعة شهور عن موعد الانتخابات الرئاسية ، الأمور غامضة ، الرئيس مريض لا أحد يعرف حقيقة وضعه الصحي إلا الفرنسيون وعائلته . أكبر حزبين وهما جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي دون قيادة منذ عدة أشهر . هل ستجري الرئاسيات في موعدها  شهر افريل القادم كما أكد وزير الداخلية دحو ولد قابلية ؟ وبالتالي هل تستمر الأمور على وضعها لغاية ذلك الموعد وهو بقاء الدولة دون قيادة يقوم خلالها الوزير الأول سلال بتصريف الأمور ؟ أم هل سيعود الرئيس بوتفليقة ليكمل ما تبقى من عهدته والثالثة وهل يسمح وضعه الصحي بذلك ؟ و هل سيفاجئ الجميع ويعلن ترشحه لعهدة رابعة ؟
سأبدأ من حيث انتهيت وأكاد أجزم أن الرئيس بوتفليقة لن يعود لممارسة الحكم ولا مجال للحديث عن عهدة رابعة لأن الصور التي بثها التلفزيون الجزائري عن لقائه بالوزير الأول سلال وقائد أركان الجيش الوطني الشعبي قايد صالح تبين أن حالته الصحية لا تسمح له بمزاولة مهامه . ولكن وبما أن السياسة فن الممكن وتمارس في الجزائر خاصة وفق هذا المفهوم بكل تجلياته فقد يكون الأمر برمته مجرد مسرحية تنتهي بعودة فلكلورية كرنفالية يستقبل خلالها استقبال الفاتحين بحيث يترجل في الشوارع ويصافح المواطنين وقد يداعب الكرة . ووسط تلك النشوة العارمة يصرخ أحدهم مطالبا بعهدة رابعة لتتعالى الهتافات مطالبه الرئيس باستكمال المسيرة . هنا يعلن الرئيس أنه استجابة للمطلب الشعبي العام قرر الترشح لعهدة رابعة لتدوم الأفراح و الليالي الملاح !! ولكني استبعد هذا السيناريو لأن الرئيس أعلن بنفسه في خطاب ماي 2012 بسطيف أن جنانو طاب وقد انسحب بعدها تقريبا من الحياة السياسية بحيث لم يتحدث بعدها ولم يخاطب المواطنين الذين يحكمهم لغاية الإعلان عن مرضه يوم 27 أفريل الماضي في سابقة تاريخية بحيث لا يكلم رئيس مواطنيه ولا يسمعون صوته لمدة سنة . بقي خلالها يظهر صورة فقط يستقبل هذا وذاك ؟؟!!
في اعتقادي العهدة الثالثة للرئيس بوتفليقة انتهت رمزيا يوم 8 ماي 2012 بسطيف . ثم انتهت عمليا بعد عملية تيقنتورين الإرهابية بإن أميناس  حين بدا واضحا أن المؤسسة العسكرية هي من حسمت القضية واستعادت بموجب هذه العملية زمام المبادرة . وقد قلت حينها تعليقا عن العملية أن عملية تيقنتورين تعتبر نهاية حقبة وبداية مرحلة جديدة وأن الجزائر قبل تيقنتورين لن تكون الجزائر بعد تيقنتورين وأن أمورا كثيرة ستتغير بعد العملية . ثم انتهت العهدة الثالثة رسميا يوم السبت 27 أفريل 2013. المروجون لعهدة رابعة مجرد حالمين أو منتفعين يقبضون ثمن تصريحاتهم عدا ونقدا .
ولكن ماهي سيناريوهات المرحلة المقبلة ؟ في اعتقادي ويبقى الأمر مجرد تحليل شخصي أن التماطل الحاصل يعود لسببين ؟ السبب الأول هو عدم حصول توافق بين من يسمون صناع القرار حول هوية الرئيس القادم و أعتقد أن الأمر يدور حول شخصين لا ثالث لهما وهما رئيسي الحكومة السابقين علي بن فليس وأحمد أويحي . ثم  الجدول الزمني للرئاسيات . وأبدأ بالأمر الثاني ففي اعتقادي أن التماطل راجع للمواعيد الدستورية الواجب احترامها ، وتطبيق الرزنامة الدستورية التي تتحدث عن مهلة ال60 يوما سوف تصطدم لو أعلنت في هذه المرحلة  بشهر رمضان ومن ثم عيد الفطر ويليه ما تبقى من العطلة الصيفية وما يرتبط بها مع أسفار وأعراس . ثم يأتي الدخول الاجتماعي  والتحضيرات له . وهي كلها مواعيد لا تتناسب مع تنظيم انتخابات رئاسية . لهذا في اعتقادي تم التماطل في الحسم في الأمر لغاية فصل الخريف بين شهري أكتوبر و نوفمبر القادمين وهو موعد مناسب جدا لتنظيم رئاسيات مسبقة .
أما بالعودة للسبب الأول  وهو عدم تحديد هوية من سيخلف بوتفليقة ، فنعود هنا للصراع بين الحزبين الأكبر الأفالان و الأرندي . حين أطيح بأحمد أويحي فجأة من على رأس الأرندي ثم تلاه بلخادم حين أزيح من على رأس الأفالان بعد معركة طويلة استمرت لأشهر .وأمر كهذا من المستحيل اعتباره مجرد معركة حزبية بين مناضلي الحزبين فقط  بالنظر لموقع الحزبين ثم لتاريخهما وعلاقتهما بالسلطة . ويد من يسمون صناع القرار في صراع الحزبين واضحة وملموسة . تمت ( بهدلة بلخادم ) إلى أن تمت إزاحته لافساح المجال لعودة علي بن فليس حسب تخطيط جناح في السلطة . ثم تم استبعاد أويحي ب( مهماز ) لابعاده قليلا عن الساحة السياسية وفي نفس الوقت عرقلة التئام شمل الأفالان من طرف جناح آخر في السلطة . والصراع داخل هياكل المجلس الشعبي الوطني لا يخرج عن هذا السيناريو . والرئيس بوتفليقة بحكم خبرته ومعرفته بموازين القوى وصل لنتيجة أن ميزان القوى يميل لداعمي رئيس حكومته و غريمه السابق  علي بن فليس لهذا آثر أن يخرج من اللعبة ( وربما هذه القناعة التي توصل اليها هي ما رفع ضغطه وأصابه بالجلطة ) لأنه وبعدما حصل بين الرجلين سنتي 2003 / 2004 لن يسمح لنفسه بتسليم الرئاسة  لخصمه السابق . تبقى بعض التفاصيل حول إن كان عبد القادر بن صالح من سيقود مهلة ال60 يوما و المأزق الدستوري كونه تحصل على الجنسية الجزائرية في الستينات وهو العشرينات من عمره والدستور يتحدث صراحة عن الجنسية الجزائرية أصلا ! وكيفية إخراج السيناريو والممثلين المشاركين وأرانب السباق الذين سيتم الدفع بهم لتزيين الديكور. و العبارات و الشعارات التي سترفع .
ما أشبه اليوم بالبارحة :
في انتخابات سنة 1999 كان هناك توافق بين القيادات العسكرية من صناع القرار حول هوية مرشح الإجماع الوطني لخلافة اليمين زروال . واختارت هذه القيادات المرشح الأقل سوءا كما تم تسريبه فيما بعد وهو عبد العزيز بوتفليقة . و في رئاسيات 2004 اشتد الصراع و الخصومة بين الرئيس الطامح لعهدة ثانية عبد العزيز بوتفليقة ورئيس حكومته علي بن فليس . صراع انتهى بفوز ساحق للرئيس بوتفليقة توارى على اثرها بن فليس عن الانظار و انسحب من الحياة السياسية و العامة . لكنه بقي على دكة احتياطيي الجمهورية . صراع تبين بعدها أنه لم يكن إلا مجرد لعبة مكاسرة الأيدي بن الجنرالين القويين محمد مدين توفيق مدير جهاز الأمن و الاستعلامات . والراحل الفريق محمد العماري قائد أركان الجيش الوطني الشعبي . مكاسرة أيدي أنتهت بتمكن الجنرال توفيق من لي ذراع الفريق الراحل ما دفعه للاستقالة بعدها ببضعة أشهر . وهاهو السيناريو اليوم يتكرر ويبدو أن التوافق بعيد المنال هذه المرة وربما بصورة اشد مما كان عليه الأمر سنة 2004 . ولعبة مكاسرة الأيدي أو ربما عض الأصابع ستكون قاسية هذه المرة بين من يرون في علي بن فليس رجل المرحلة المقبلة وبعد احتراق أوراق الاسرة الثورية لا بأس بابن شهيد ينحدر من عائلة ثورية عريقة ومن ولاية لها ما لها رمزية تاريخية . وبين من يدفعون بأويحي للواجهة رغم يقينهم أنه لا يتمتع بالشعبية بل أنه احد أكثر الشخصيات المكروهة في المجتمع الجزائري .
أريد فقط أن أشير إلى أن هناك من يتحدث عن أحمد بن بيتور أو عبد المالك سلال أو حتى عمار غول . الأول لا أعتقد أن له حظوظا لأنه خرج للعلن مبكرا وكشف أوراقه قبل أوانها . والانتخابات الرئاسية في الجزائر لا تجري وفق هذه المثالية التي يتبناها بن بيتور . أما عبد المالك سلال فلا أعتقد أنه يصلح لتولي المنصب بكل بساطة ! أما غول فالصورة كاريكاتورية !!
نتائج التشريعيات الماضية ثم الاطاحة ببلخادم وأويحي واعتزال سعيد سعدي وآيت أحمد للسياسة وتحول - حمس - للمعارضة بعد تغيير قيادتها ثم  تفجير ما يسمى بقضية سوناطراك  2  و الحملة الشرسة على الدائرة الضيقة للرئيس بوتفليقة بمن فيهم شقيقه وتسريب خبر عن إقالته له وبعدها مباشرة الإعلان عن مرضه ونقله لباريس ثم عزل أقرب مقربيه سفير الجزائر بباريس ...صور مبعثرة ومتناثرة لو تم تجميعها قد نصل لنتيجة لما يحصل وما سيحصل .
يبقى هذا مجرد تحليل شخصي لا أجزم بصحته .  وفي الأخير لا استبعد السيناريو المصري الذي جرى مؤخرا . وردة الفعل الدولية مبشرة لمن يفكر به  وإن اختلفت ظروف البلدين . والجزائر لها سوابق في هذا الأمر . ثم ألسنا دولة افريقية ؟؟!!