كتبهاعلي الجزائري الجزائري ، في 12 مايو 2012 الساعة: 15:48 م
انتهى العرس الانتخابي وتفرق الحضور من المنشطين والمنظمين والمطبلين له و(الرقاصين و الرقاصات) الذين زينوا ديكوره طيلة حوالي شهر من عمر حملة انتخابية أجمع الكل أنها كانت باهتة وفاشلة بكل المقاييس . حملة انتخابية شارك فيها 45 حزبا من بينها أكثر من 20 حزبا نشأ قبل بضعة أسابيع من انطلاقها . 20 حزب سمح له بالاعتماد دفعة واحدة بعد 12 سنة من غلق اللعبة السياسية و12 سنة من المنع القسري للتطور الطبيعي للحياة السياسية و12 سنة من منع تجدد الطبقة السياسية وتجميد حركيتها وتجددها و تطورها. حملة انتخابية شارك فيها 45 حزب وعشرات القوائم الحرة والتي رافقها حملة تهويل وتخويف وحتى تخوين الرافضين لهذا الطريق وهذه المنهجية. حملة رافقها تحذير من التدخل الأجنبي والحلف الأطلسي والفوضى و العودة لسنوات العشرية السوداء ومع هذا لم تتجاوز نسبة المشاركة 42% فقط. نسبة اعتبرها البعض ايجابية ووصفها البعض الآخر بالنصر المبين وشكر آخرون المواطنين عليها والتي برأيهم فوتت الفرصة على دعاة المقاطعة ودعاة التشكيك و التعفين ! هذه النسبة الضئيلة التي رأى فيها البعض أنها ايجابية فقط لأنهم قارنوها بتشريعيات 2007 التي لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 37% لأن التخوف و الرعب الذي دب وسط منظمي هذه الانتخابات و المشاركين فيها(الفائزين طبعا) كان من نسبة مشاركة ضئيلة دون ال30% . (فلو كانت نسبة المشاركة في تشريعيات 2007 مقبولة لاعتبرت نسبة 42% كارثية لكن الخلق اعتبروها نصرا فقط بالمقارنة مع كارثة 2007!!) .
وظهرت النتائج التي كانت متوقعة وإن كانت مبالغ فيها نوعا ما. فكل عاقل كان يعرف أن جبهة التحرير الوطني ستحافظ على الصدارة. وأن التجمع الوطني الديمقراطي سيكتفي بالمركز الثاني. فيما ستتنافس أحزاب تكتل الجزائر الخضراء أو جبهة التغيير أو جبهة العدالة و التنمية على المركز الثالث. و يعود الفتات لبقية غثاء السيل. فقط المغفلون و الحالمون والذين أعمى الطمع الذي يفسد الطبع أبصارهم وبصيرتهم اعتقدوا عن وهم وسذاجة أنهم سيحققون المفاجأة ويترجمون التغيير الذي تم إيهامهم به لفوز كاسح يعيد تشكيل الخريطة السياسية الجزائرية. هؤلاء الذين اعتقدوا عن وهم وسذاجة وطمع أنهم سيجنون ما جناه نظرائهم في تونس ومصر و المغرب وراحوا يمنون أنفسهم بقيادة الحكومة والتحكم في التعديل الدستوري المنتظر . فراح تكتل الجزائر الخضراء يتحدث عن فوز بالقاضية وأنه سيعلن عن الفوز قبل أن يعلنه وزير الداخلية. وأنه سيفرض النظام البرلماني عند مناقشة تعديل الدستور متناسيا أن هناك مجلسا آخر اسمه مجلس الأمة به ما يسمى بالثلث المعطل. وراح حتى يعلن أن وزيره عمار غول سيكون رئيس البرلمان القادم. في حين راح عبد الله جاب الله يبشر بفوز كاسح يسمح له بتنفيذ برنامجه الذي سيمكنه من القضاء على الفقر خلال سنة. متجاهلا المادة 79 من الدستور المعدل سنة 2008 التي تشير بوضوح أن رئيس الجمهورية من يعين الوزير الأول دون أن يشير أنه ملزم بتعيينه من تشكيلة حزب الأغلبية. وأن هذا الوزير الأول يكون مكلفا بتنفيذ برنامج رئيس الجمهورية لا برنامجه الحزبي. في حين دعا عبد المجيد مناصرة لضرورة إعطائه الأغلبية حتى لا يكون البرلمان القادم فسيفساء من أحزاب كثيرة دون أغلبية تمنحه القوة اللازمة.
أما عن النتائج فقد كانت كما قلت متوقعة وإن كانت مبالغا فيها قليلا من جهة نسبة المشاركة التي يرى الكثير أنها ضخمت نوعا ما و في اعتقادي أنها كانت حوالي 35% لا أكثر لأن أرقام المشاركة ارتفعت في بعض المناطق وفي أوقات محددة بطريقة غير منطقية. ففي العاصمة مثلا وقبل 3 ساعات من غلق مكاتب الانتخاب لم تكن تتجاوز 18% لتقفز لأكثر من 30% عند غلق المكاتب . و في ولاية خنشلة فكانت النسبة 49% عند السابعة مساءا لتقفز بعد تمديد الاقتراع لساعة إضافية إلى 56% ! أما بالنسبة للفوز الكاسح لحزب جبهة التحرير الوطني ففي اعتقادي أنه كان محسوما ومتوقعا لكن النسبة التي أحرزها مسألة فيها نظر !؟
تكريس الاستمرارية :
الملاحظ و المتتبع للشأن الجزائري يلحظ حالة السخط العام وحالة عدم الرضا والاضطرابات و الإضرابات التي شملت كل القطاعات تقريبا . الكل يشتكي و الكل يجمع أن الأمور ليست على ما يرام . ومع هذا جاءت نتائج الانتخابات تكريسا لما هو موجود وهو فوز الأحزاب المشكلة للحكومة بالأغلبية الساحقة . ما يجعل السلوك الانتخابي للناخب الجزائري غير مفهوم وغير منطقي وغير معقول ، شعب ناقم ساخط على الحكومة وعلى كل ما يرمز للحكومة ينتفض يوميا ويحرق ويكسر ويغلق الطرقات . إضرابات دائمة و شاملة مست تقريبا كل القطاعات. لكن عند الانتخاب يقرر إبقاء الوضع على ما هو عليه ويبقي على نفس المسؤولين و نفس الوجوه ؟ وإن كان الأمر يحتمل 3 تفسيرات في اعتقادي :
1-أن الأغلبية قاطعت الانتخابات. فهناك 9 ملايين شخص فقط انتخب من بين أكثر من 21 مليون مسجل. من بين ال9 ملايين شخص انتخبوا هناك أكثر من مليون و 600 ألف ورقة ملغاة . أي أن عدد الأصوات المعبر عنها 7 ملايين صوت فقط. من بينها أصوات انتخبت على التغيير أي على بقية الأحزاب التي نادت بإحداث التغيير و القطيعة . يعني أن من انتخب على الحزبين الفائزين الأفالان و الأرندي لم يتجاوز الأربعة ملايين صوت . وهؤلاء راضين بالأداء الحكومي سواء عن قناعة أو عن حسن نية أو وفق منطق( لي تعرفو خير مللي ما تعرفوش) أو لا يفرقون بين جبهة التحرير التاريخية وجبهة التحرير كحزب وسط أحزاب متنافسة أومنتفعين نالوا مزايا تجعل بقاء الوضع الراهن مرتبط بعدم المساس بمصالحهم.
2- وهنا أستعير من رواية عمارة يعقوبيان للكاتب المصري علاء الأسواني هذه المقتطفات (الناس الساذجة فاهمين أننا بنزوّر الانتخابات …أبدا …كل الحكاية أننا دارسين نفسية الشعب المصري كويس…المصريين ربنا خلقهم في ظل الحكومة…لا يمكن لأي مصري يخالف حكومته…فيه طبعا شعوب تثور وتتمرد إنما المصري طول عمرو يطأطئ لأجل ياكل عيش…الكلام ده مكتوب في التاريخ. الشعب المصري أسهل شعب ينحكم في الدنيا…أول ما تاخذ السلطة المصريين يخضعوا لك و يتذللوا لك وتعمل فيهم على مزاجك… وأي حزب في مصر لما يعمل انتخابات وهو في السلطة لازم يكسبها لأن المصري لازم يؤيد الحكومة… ربنا خلقه كدا …) بدون تعليق !!!
3- أن الانتخابات مجرد مسرحية ديكورها صناديق وطوابير الناخبين ومراقبين دوليين وإشراف قضائي . في حين أن النتائج تطبخ في مكان بعيد عن الأعين و الآذان و الألسن … والأنوف .
فتاوى على الهوا:
صاحب هذه الانتخابات تهاطل الفتاوى من كل حدب وصوب كلها تحذر من العزوف ومن المقاطعة . لكن يبقى أكثرها إثارة فتوى وزير الشؤون الدينية و الأوقاف بوعبد الله غلام (استغفر الله) والتي وصف فيها من يتخلف عن المشاركة بالمنافق . ولا أدري ما موقفه اليوم وهل يعتبر أكثر من 11 مليون مواطن لم يكن في الموعد بالمنافقين ؟ تخيلوا دولة 11 مليون من مواطنيها منافقين وفق منطق وزير الأوقاف ؟! أو تلك الفتوى التي أطلقها أحد الشيوخ الأفاضل ووصف فيها مقاطع هذا الموعد بالمتولي يوم الزحف وهي تهمة خطيرة لأن المتولي يوم الزحف مرتكب لإحدى الموبقات السبع وفق الحديث الشريف . فتخيلوا دائما ووفق منطق شيخنا الفاضل دولة بها أكثر من 11 مليون مرتكب لموبقة و مهلكة إذ تولى يوم الزحف . أو الفتوى التي أطلقها الشيخ شمس الدين والتي وصف الانتخاب في هذا الموعد بالواجب و المتخلف عنه بالآثم . ودائما وفق هذا المنطق تخيلوا دولة أكثر من 11 مليون من مواطنيها آثمين ؟؟!!
من انتخب ؟
الملاحظ في نتائج هذه الانتخابات أن أعلى نسب المشاركة سجلت بالولايات الفقيرة و المتخلفة والتي اعتادت احتلال ذيل الترتيب في نتائج البكالوريا ؟ الأغواط ، البيض، النعامة ، حتى الطارف التي يطلق عليها أهلها ولاية الطرائف …الخ فيما عرفت المدن الكبرى أدنى نسب المشاركة . فبغض النظر عن ولايات منطقة القبائل المعروفة بعزوفها عن الانتخابات . نجد مثلا العاصمة التي استفادت من مشاريع عملاقة من ميترو لترامواي إلى تجديد شبكة الطرق و الأنفاق و المحولات لم تتعد فيها نسبة المشاركة 30% . قسنطينة 39%. باتنة 38% . حتى سطيف التي خطب فيها الرئيس بوتفليقة قبل يومين من الانتخابات خطابه العاطفي لم تتجاوز النسبة فيها 46%. بل حتى تلمسان مسقط رأس الرئيس واغلب الوزراء و التي احتضنت مهرجان عاصمة الثقافة الإسلامية و استفادت من مشاريع تنموية ضخمة لم تتجاوز نسبة الانتخاب فيها 48 % ؟! ونفس الشيء ينطبق على مدن وهران وعنابة والبليدة .
على أمل :
في كل دول العالم حين ينتخب المواطنون ممثليهم في البرلمان ينتخبونهم على برنامج واضح ينفذونه فتجدد فيهم الثقة في الانتخابات اللاحقة أو يخفقون فينتخب غيرهم . وعندنا في انتخاباتنا البائسة ما زال الناس يرددون أنهم فعلوا ما عليهم فعله و(استجابوا لنداء الوطن ) وانتخبوا - على أمل- أن ينفذ من انتخبوهم لوعودهم . وتتكرر الاسطوانة مع كل انتخابات : لم يوفوا بوعودهم ولم نعد نراهم حتى . لكن و ( استجابة لنداء الوطن) سننتخب - على أمل - ألا يخيبوا أملنا هذه المرة ويجسدوا وعودهم … وهكذا دواليك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها !!
ما الحل ؟
برهنت السلطة أنها أذكى بكثير من الطبقة السياسية المتواجدة على الساحة . بل و اعتادت التلاعب بها وحتى خداعها لتمرير مشاريعها . في رئاسيات 1995 مثلا خدع الراحل نحناح وجر للمشاركة في الانتخابات لإعطاء مصداقية لفوز اليمين زروال.وفي رئاسيات 1999 خدع مولود حمروش وأحمد طالب الابراهيمي وحتى السياسي المتمرس حسين آيت أحمد وتم إيهامهم أن الانتخابات ستكون نظيفة وشفافة لكن تبين أنهم استعملوا فقط لإعطاء مصداقية لسيناريو انتخاب مرشح الإجماع الوطني عبد العزيز بوتفليقة . وحتى انسحابهم من السباق كان متأخرا. وفي رئاسيات 2004 أوهم الجميع أن علي بن فليس منافس جدي للرئيس المترشح بل ذهبت التحاليل لحد الجزم أن النتائج ستحسم في الدور الثاني ليفاجئ الجميع بفوز بوتفليقة بأكثر من 84 % . وفي هذه التشريعيات دفعت الجميع للحلم بأن الجزائر ستشهد تغييرا حقيقيا فخدع الأفافاس وشارك بعد قطيعة . وأسس جاب الله حزبا جديدا توعد باكتساح التشريعيات من خلاله . وتحالف أبو جرة مع النهضة و الإصلاح وبشروا باكتساح الصناديق. فكانت الصفعة المدوية والخدعة التي انطلت على الجميع . هذا هو المشكل في الجزائر : البديل عن السلطة مجموعة مهرجين و حمقى وسذج من السهل التلاعب بهم و خداعهم ورمي طعم بسيط لجذبهم ومن ثم رميهم و الضحك عليهم و إضحاك الناس عليهم .أحزاب تخالف شعاراتها ممارساتها فحتى الحزب الفائز جبهة التحرير الوطني تداول على قيادته أربعة أمناء عامين منذ إقرار التعددية قبل 20 سنة في حين بقيت الأحزاب التي تدعي الديمقراطية وتدعو للتغيير والتداول على السلطة خاضعة لنفس زعيمها ومؤسسها منذ 20 سنة . بل ومنهم من أسس ثلاثة أحزاب ما إن يفقد السلطة في حزب حتى يغادره ليؤسس حزبا جديدا حتى يبقى هو الزعيم الأوحد ! فهل يؤتمن هؤلاء على مصير الجزائر لو حكموها يوما ليتفاوضوا مع القوى الكبرى و العظمى ؟؟ ستكون الكارثة طبعا . أم هل ننتظر منهم تجسيد التغيير والتداول على السلطة ؟! فاقد الشيء لايعطيه .
لذلك إلى أن يتوفر البديل القادر على أخذ زمام الأمر في بلد بحجم وموقع وثروات و إمكانيات الجزائر وإحداث التغيير الحقيقي ونحو الأفضل . أردد ما قاله ذات يوم الملك المغربي الراحل الحسن الثاني للرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك حسبما أورده هيكل في أحد مؤلفاته:
plus ça change , plus c’est la même chose
و إلى ذلكم الحين سننتظر ( إني معكم من المنتظرين ).