الثلاثاء، 5 نوفمبر 2013

الرئاسيات : بن فليس vs العهدة الرابعة


حاشا سي علي :
(... لا أحد يشكك في سلامة مسعى رئيس الحكومة و في صدق نواياه . لكن من الواضح أن عامل الوقت بالذات هو الذي عمل و يعمل ضده ، بل إن الوقت استنفذ كل ذلك الرصيد السياسي و ذلك الرأسمال الرمزي الذين كان يتمتع بهما هذا الرجل .
توفرت لعلي بن فليس أرواق رابحة قلما توفرت لغيره من رؤساء الحكومات. فهو ابن شهيد منحدر من عائلة طيبة السمعة متجذرة في منطقة عريقة في الجهاد و المقاومة . وهو من الجيل الوسط الذي لم تلوثه أحقاد الماضي ولم تمسسه أدران تصفية حسابات الحاضر . وهو رجل قانون تربى على احترام الحق و إعلائه فوق كل اعتبار . وهو رجل جمع في ذاته بشكل خلاق بين لغتين و ثقافتين  وهو فوق كل هذا رجل يمتاز بالتروي و الحيطة و الرزانة و الرصانة . وهي بالتأكيد صفات و خصال ومزايا كان من الممكن أن تصبح نموذجا يقتدى به في أدغال السياسة الجزائرية التي ضربت عرض الحائط بكل أبجديات الأخلاق .
وفضلا عن ذلك اشتهر بن فليس بمواقف سياسية حاسمة . واتخذ قرارات شجاعة في الأوقات الحرجة . كان مناضلا في حقوق الإنسان ويشهد له الأعداء قبل الأصدقاء بسعيه الدؤوب للحفاظ عليها و احترامها . وكان جريئا حين ألغى محاكم أمن الدولة وحين استقال في صائفة 1991 من حكومة أحمد غزالي معبرا عن رفضه للمحاكم الاستثنائية ...)
(... وفي التحالفات السياسية امتاز بن فليس بالاتزان و التعقل ورفض الشطط والغلو و الميل دوما إلى التسويات و الحلول الوسطى . فهو محسوب على صف الوطنيين وفي نفس الوقت لم يستعد على نفسه الإسلاميين . عمل مع الإصلاحيين من الحمارشة وتم الطلاق بينهما بالتراضي . ولم يخلق خصومات مع الديمقراطيين . وفي حزبه جبهة التحرير الوطني احتضنته كل الحساسيات فم يدخل في مخابر مؤامراته ولم يشارك في انقلاباته و مقالبه العلمية ...)
****************
هذه مقتطفات من مقال كتبه الكاتب عبد العزيز بوباكير بجريدة الخبر الأسبوعي المتوقفة عن الصدور منذ عدة سنوات في العدد 122 بتاريخ 02 إلى 08 جويلية 2001 ضمن مقاله * تداعيات* وقد كتبه أيام كان علي بن فليس رئيسا لحكومة الرئيس بوتفليقة وهذا بمناسبة كلمة ألقاها بعد ما عرف بأحداث منطقة القبائل ربيع 2001. أما عنوان المقال فاقتبسه الكاتب من كلمة ألقاها الرئيس بوتفليقة وبخ خلالها وزرائه وكل مسؤولي الدولة قبل أن يستثني رئيس حكومته ورجل ثقته بقوله ( حاشا سي علي ) . ولكن بن فليس شق بعدها عصا الطاعة وكبرت طموحاته وصار الجلوس على كرسي قصر المرادية هدفه فكان ما كان بين الرجلين وكانت حرب رئاسيات 2004، ثم تبين فيما بعد أن علي بن فليس قد غرر به من قبل بعض كبار جنرالات المؤسسة العسكرية الرافضين تولي بوتفليقة الرئاسة لعهدة ثانية . وعلى رأسهم الفريق الراحل محمد العماري القائد السابق لأركان الجيش الوطني الشعبي. لكن قوة جهاز المخابرات وسيد المخابرات الجنرال توفيق حسمت الصراع لصالح بوتفليقة ما جعل المترشح الآخر سعيد سعدي يقسم أن المخابرات هي من يحكم بعدما انهزمت قيادة الأركان وتبين أن الصراع كان مكاسرة أيدي بين الجنرالين محمد مدين توفيق ومحمد العماري والذراعين ما هما إلا عبد العزيز بوتفليقة وعلي بن فليس .. توراى بعدها بن فليس عن الأنظار و انسحب من الساحة السياسية.
ومع اقتراب موعد رئاسيات أفريل 2014 عاد اسم بن فليس مجددا ليتصدر صفحات الجرائد وانطلقت التحليلات و الترشيحات لتضعه ضمن أبرز المرشحين لخلافة الرئيس بوتفليقة  وظهرت لجان المساندة وتنسيقيات الدعم . فما الذي يمكن أن يقدمه بن فليس لو تمكن فعلا من خلافة الرئيس المريض ؟؟
هل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟
بعد 15 سنة من حكم بوتفليقة ، 15 سنة من الفساد والإفساد الذي طال كل القطاعات ما الذي يمكن لعلي بن فليس أن يقدمه ؟ لا عامل السن يسمح له بما كان يسمح له سنة 2004 (من مواليد سنة 1944، يعني هو في ال 70 من العمر ). ثم ولو حسنت النية واستعان بالرجال الأكفاء بعيدا عن تهريج ال15 سنة الماضية التي اعتمد فيها الرئيس بوتفليقة على مبدأ الولاء و الطاعة وعرفت ترقية  الانتهازيين والمتملقين و الشياتين وحتى الوسخين . حتى لو توفرت الإرادة و النية فمن الصعب إصلاح مخلفات 15 سنة كارثية بكل المقاييس .
ثم أن بن فليس سيبقى في نفسه شيء من إن مما حدث له سنتي 2003 و 2004 حين سخرت مؤسسات الدولة ومؤسسة القضاء تحديدا لضرب طموحه الرئاسي فيما عرف بعدالة منتصف الليل حين جرد من حزب جبهة التحرير الوطني وهو الذي انتخب على رأس أمانته العامة انتخابا شفافا شهد تصفيق وتهنئة أولئك الذي خرجوا عليه حين قرر الخروج على بوتفليقة ( بلخادم ، سي عفيف ، ... والبقية ). وقد يدفعه ذلك  لو تمكن من الوصول لكرسي الرئاسة للإنتقام من العائلة الرئاسية اولا ثم من الحاشية الرئاسية و المحيط الرئاسي . و وضع الجزائر المزري حاليا لا يسمح لها بخوض هذا النوع من المغامرات. لأن العائلة و الحاشية و المحيط قد نسجوا طيلة ال15 سنة الماضية علاقات متشعبة وشبكات مصالح داخلية و خارجية قد يؤدي تهديدها لتفجير الوضع .
كما أن تعامل بن فليس مع ما تعرض له سنتي 2003 و 2004 اتسم بنوع من الرعونة حيث نزل خطابه لمستوى خطاب الشارع رغم أنه كان يمكن أن يرفع أسهمه لو أنه اكتفى بشرح برنامجه . والقول أنه دعم بوتفليقة سنة 1999 وفق شروط رأى أن بوتفليقة حاد عنها ولهذا قرر تصحيح المسار . وأنه لو انهزم سيكون أول المهنئين له ثم ينسحب . لكن رئاسيات 2004 شهدت حرب كلامية خاضها بن فليس ضد بوتفليقة الذي اكتفى بالصمت ......

علي بن فليس
عبد العزيز بوتفليقة




vs





العهدة الرابعة :
رغم أن الرئيس بوتفليقة مريض . وقد تخلف عن أداء صلاتي عيد الفطر و عيد الأضحى . ولم يقو على وضع إكليل من الزهور ترحما على أرواح الشهداء في ذكرى أول نوفمبر . ورغم أن آخر مرة سمع صوته كان في ماي 2012 قبيل التشريعيات . مع هذا تتعالى الأصوات التي تعلن ترشيحه لعهدة رابعة حيث أعلن سعيداني أنه مرشح الأفلان . وتبعه بن صالح عن الأرندي. وطبعا غول و بن يونس !!
نحن أمام سيناريو كارثي قد لن يصدقه مجنون لكن يبدو أن الأمور بدأت تأخذ هذا الإتجاه ، وهذا السيناريو يتمثل في اعلان ترشيح بوتفليقة لعهدة رابعة ، لكن من دون أن يخوض الحملة الانتخابية لأن وضعه الصحي لا يسمح له . ومن يتكفل بالأمر متوفر : سعيداني عن جبهة التحرير وبن صالح عن الأرندي وعمار غول عن تاج وعمارة بن يونس عن الحركة الشعبية . ولم لا لويزة حنون عن حزب العمال . وعلى رأس الجوق عبد المالك سلال الوزير الأول الذي سيقيم حملة انتخابية مموهة يبدو أنه بدأها قبل مدة وهي الطواف بالولايات و توزيع الأموال يمنة و يسرة تنفيذا لبرنامج الرئيس. وطبعا حين ينطلق السيناريو ستحجم الأسماء الكبيرة عن الترشح بمن فيهم بن فليس حين يتأكد أن الدومينو مغلوق . وسيخوض بوتفليقة السباق مصحوبا ببضعة أرانب تعرف نفسها وحجمها ووزنها جيدا . وطبعا سيبقى في سريره بينما يطوف قادة الأحزاب أعلاه البلاد لتعداد انجازاته (لأني لا أعتقد أن له برنامجا لعهدته الجديدة) وسيتم خلالها تخويف الجزائريين من المغامرات الغير محسوبة و المتربصين بالجزائر وبقية الاسطوانة . ثم يعلن عن نسبة مشاركة قياسية وفوز قياسي في انتخابات شفافة وديمقراطية أعطت درسا لأعداء الجزائر عن عظمة هذا الشعب . ثم تهدأ الاوركسترا ويتم التفرغ لاقتسام الفوائد وقبض الأثمان. ويستمر الروتين الحالي إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا . ليبقى في الأخير أنه :
مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إن لم تستح فاصنع ماشئت !!!
 في الأخير :
للمراهنين على بوتفليقة عن حسن نية أو عن طمع أو حفاظا على امتيازات نالها خلال حقبته . والذين يعلقون آمالا على علي بن فليس .  لا أحد يمكنه تحريك الأمور وإصلاح الأوضاع ونقل الجزائر لمرحلة جديدة . الأمور بحاجة لسيناريو غير تقليدي . الأمر أصبح يحتاج للعلاج بالصدمة . وآخر العلاج البتر .

السبت، 20 يوليو 2013

إتفقت الجماعة على أن ... ؟؟

تحدثت في الموضوع السابق عن بعض سيناريوهات المرحلة المقبلة . وسأواصل في موضوع اليوم التكهن ببعض السيناريوهات التي حاولت رسمها لما سيحدث خلال الفترة التي تسبق الرئاسيات القادمة . في الموضوع السابق تحدثت عن عودة الرئيس بوتفليقة واستكمال عهدته الثالثة . أو مفاجأة الجميع وإعلان ترشحه لعهدة رابعة . أو الإعلان عن رئاسيات مسبقة هذا الخريف . وتحدثت عن انقسام ( الجماعة ) حول هوية من سيخلف بوتفليقة بين مؤيد لعلي بن فليس وداعم لأحمد أويحي . ثم تحدثت عن سيناريو قد يكون مطروحا على الطاولة وهو ما عرفته مصر مؤخرا .
في موضوع اليوم سأعود للمراحل التاريخية التي عرفتها الجزائر بعد 50 سنة من تحررها واستعادة سيادتها . وكيف تصرفت (الجماعة) خلال هذه ال50 سنة مع المآزق التي وجدت نفسها فيها . كيف تتصرف (الجماعة) حين تصل في كل مرة إلى طريق مسدود في هذا الموضوع الحساس و الشائك وهو اختيار رئيس الدولة ؟
أزمة صائفة 1962:
بعد الاستفتاء حول تقرير المصير استعادت الجزائر رسميا حريتها وسيادتها يوم الخامس جويلية 1962 بعد 132 سنة من الاحتلال الفرنسي . رسميا كانت السلطة الشرعية بيد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية برئاسة بن يوسف بن خدة . لكن فرقاء الثورة انقسموا حينها بين مؤيد للحكومة الشرعية وبين من انحاز لهيئة الأركان التي يمثلها جيش الحدود بقيادة الكولونيل هواري بومدين. وقد ظهر هذا الخلاف جليا إبان ما عرف بمؤتمر طرابلس الذي انفض ولم ترفع جلسته لغاية اليوم. دخل جيش الحدود بعتاده وعدته للجزائر فاندلعت ما عرف بحرب الولايات لكن صرخة رئيس الحكومة المؤقتة بن يوسف بن خدة ( 7 سنين بركات ) أنهت المأساة . الكولونيل هواري بومدين مدعوما بما يعرف بجماعة وجدة كان قد قرر الاستيلاء على السلطة ولكنه واجه مأزقا تمثل في كونه شخصية غير معروفة وليس من قيادات الثورة التاريخية فبحث عن غطاء شرعي لذلك ، أرسل مبعوثه الخاص إلى سجن أولنوي حيث يتواجد الخمسة التاريخيين الذين حولت فرنسا طائرتهم أثناء عودتها من المغرب . لم يكن هذا المبعوث إلا عبد العزيز بوتفليقة. عرض الأخير الأمر على محمد بوضياف لكنه رفض. أحمد بن بلة قبل العرض وبعد الإفراج عنه عند مفاوضات إيفيان الحاسمة قرر امتطاء دبابة هواري بومدين . تبادل للمصالح بين الرجلين كفل لهما انتزاع السلطة فبومدين يبحث عن شخصية تاريخية تكون واجهة لحكمه . وبن بلة يبحث عن قوة عسكرية تدعمه لانتزاع السلطة بين بقية غرمائه. في أزمة صائفة 1962 (الجماعة) اختارت طريق القوة العسكرية وكان جيش الحدود الأداة التي تحققت به إرادتها في فرض الرئيس الذي اختارته .
جوان 1965:
بعد ثلاث سنوات من التعايش بين (الجماعة ) و الرئيس الذي نصبته وصلت الأمور إلى طريق مسدود وبدا أن فترة التعايش انتهت وأن الرئيس أحمد بن بلة بدأ يتخلص من أعضاء (الجماعة) بحيث أبعد وزير داخليته أحمد مدغري ووزير خارجيته عبد العزيز بوتفليقة . ثم بدأ يخطط للإجهاز على وزير دفاعه والرجل القوي في النظام الوليد وزير الدفاع والأب الروحي للجيش الوطني الشعبي  الكولونيل هواري بومدين بحيث استغل زيارته للقاهرة ليقوم بتعيين الطاهر زبيري قائدا للأركان دون العودة لوزير الدفاع . لكن بومدين وهو النواة الصلبة في (الجماعة ) تغذى برئيسه قبل أن يتعشى به. عاد من القاهرة و على الفور جمع (الجماعة ) وقرر وضع حد للمسرحية التي استمرت 3 سنوات . صبيحة 19 جوان 1965 استيقظت الجزائر على وقع انقلاب عسكري قاده وزير الدفاع على رئيس الجمهورية . لم تنفع بن بلة لا شعبيته الطاغية ولا مكانته الدولية المرموقة كأحد الشخصيات الثورية العالم ثالثية . كلمة (الجماعة) كان لها القول الفصل . هواري بومدين قرر أن يحكم هذه المرة مباشرة دون الحاجة لغطاء شخصية ثورية تاريخية عكس صائفة 1962. المأزق أو الطريق المسدود حسم مرة أخرى عن طريق القوة العسكرية .
شتاء 1979 :
بعد 13 سنة قضاها هواري بومدين في الحكم توفي  (رسميا) يوم 27 ديسمبر 1978. المكانة التي صنعها لنفسه في منظومة الحكم والكاريزما التي تمتع بها أوقع ( الجماعة ) في مأزق إذ ليس من السهل ملء الفراغ الذي تركه . كانت الترشيحات تدور حول شخصيتين هما وزير خارجية بومدين عبد العزيز بوتفليقة . شخصية عرفت بليبراليتها في عز الاشتراكية البومدينية . يوصف بأنه مقرب من فرنسا . بحث هو الآخر عن الدعم الخارجي أو الفرنسي بصفة أدق بحيث وأثناء عودته من موسكو في زيارة للرئيس بومدين الذي كان يعالج هناك أمر بتغيير مسار الطائرة والمرور فوق الأجواء الفرنسية . أرسل ببرقية للرئيس الفرنسي جيسكار ديستان يعرب له فيها ( استعداده للعمل - سويا - من أجل بناء علاقات على أسس دائمة ). وبعد وفاة بومدين كان هو الشخص الذي قرأ تأبينيته المؤثرة في مقبرة العالية .  أما المرشح الثاني فهو العقيد محمد الصالح يحياوي . شخصية توصف بالعروبية المحافظة عينه بومدين على رأس الحزب الواحد جبهة التحرير الوطني لإعادة تنظيمه وهيكلته تمهيدا للتغييرات التي كان بومدين ينوي أدخالها على منظومة الحكم . كانت الأمور متجهة لهاتين الشخصيتين لكن (الجماعة) كان لها رأي آخر . وطبعا هاته (الجماعة ) تغيرت وليست بالضرورة نفس (الجماعة) سنتي 1962 أو 1965. (الجماعة) يمثلها رئيس جهاز الأمن العسكري قاصدي مرباح كان لها مرشحها هي الأخرى وهو العقيد الشاذلي بن جديد . لا ينتمي لا الى التيار العروبي كيحياوي ولا التيار الليبرالي الفرنكوفوني كبوتفليقة . عسكري برتبة عقيد وقد كان صاحب أعلى رتبة عسكرية . قائد الناحية العسكرية الثانية . قاصدي مرباح حسم أمره وطرح مرشحين اثنين لا ثالث لهما ليختار بينهما المجتمعين بقصر الأمم بنادي الصنوبر وهما : الشاذلي أو بن جديد . (الجماعة ) حسمت مأزق رحيل هواري بومدين مرة أخرى عن طريق القوة . لكنها  كانت( ولنقل قوة ناعمة) ولم تتجل في القوة العسكرية المباشرة التي عرفها حسم الصراع سنتي 1962 و 1965 .
جانفي 1992 :
بعد انتفاضة أكتوبر1988 قرر الرئيس الشاذلي بن جديد إدخال إصلاحات سياسية واقتصادية على منظومة الحكم فقام بتغيير الدستور الذي فسح المجال للتعددية السياسية و الإعلامية . فكانت الإنتخابات التشريعية يوم 26 ديسمبر 1991. انتخابات اكتسحها حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ. هنا قررت ( الجماعة ) التدخل ووقف المسار الإنتخابي برمته . مساء ال 11 جانفي 1992 وفي نشرة الثامنة يعلن الرئيس بن جديد استقالته رسميا في رسالة قرأها رئيس المجلس الدستوري عبد المالك بن حبيلس . (الجماعة) أو كما لقبوا ب(الجانفيين) قرروا الإطاحة بالرئيس الشاذلي بن جديد واختيار شخصية أخرى غيره وهو شخصية تاريخية من الستة التاريخيين الذين فجروا الثورة التحريرية . دخل في خصومة مع سلطة بعد الاستقلال . فرضت عليه الإقامة الجبرية ووصف بالخيانة العظمى! إنه محمد بوضياف أو سي الطيب الوطني. ( الجماعة ) لجأت مرة أخرى للقوة للإطاحة بالرئيس  و اجتازت مأزق جانفي ومأزق التشريعيات وفوز الفيس . لكن هل انتهى المأزق فعلا ؟؟!!
جويلية 1992:
 بعد 6 اشهر من عودته من منفاه بالقنيطرة المغربية . تم اغتيال الرئيس محمد بوضياف صبيحة ال29 جوان 1992 بمدينة عنابة مباشرة أمام كاميرات التلفزيون . (الجماعة ) حسمت الأمر بسرعة واختارت عضو المجلس الأعلى للدولة الذي شكلته بعد الاطاحة بالشاذلي بن جديد لاستكمال عهدته . العقيد رئيس منظمة المجاهدين وقائد الولاية التاريخية الثانية : علي كافي . أختير على أساس أنه العضو الأكبر سنا ولكن كذلك لأنه كان يتقن العربية !! هذه المرة ( الجماعة ) لم تكن بحاجة لاستعمال القوة لأن الأمور كانت في صالحها و لم يكن هناك صراع من أساسه فالظرف كان دقيقا لأن رئيس الجمهورية أطيح به والرئيس الذي جيء به أغتيل على المباشر.
جانفي 1994:
انتهت عهدة الرئيس الشاذلي بن جديد التي استكملها المجلس الأعلى للدولة وكان لا بد من اختيار رئيس جديد للدولة . الظروف لم تكن تسمح بإجراء انتخابات رئاسية لهذا تم تنظيم ما عرف بندوة الوفاق الوطني. كانت (الجماعة ) تفاوض عبد العزيز بوتفليقة لتولي المنصب . وكان قانون الندوة تنص المادة السادسة منه أن تختار الأحزاب المشاركة في الندوة رئيس الدولة . ندوة قاطعتها الأحزاب الكبرى الجبهة الإسلامية للإنقاذ  التي جرى حلها بحكم قضائي . وجبهة التحرير الوطني بقيادة عبد الحميد مهري وجبهة القوى الاشتراكية. عبد العزيز بوتفليقة رفض أن تختاره هذه (الحزيبات) واشترط أن يعين مباشرة من طرف المجلس الأعلى للأمن. والأحزاب المشاركة قررت أن تختار رئيس أحد الأحزاب المجهرية وهو رابح بن شريف رئيسا للدولة. (الجماعة ) ترضخ لشروط بوتفليقة لكن تطلب منه الحضور للندوة . بوتفليقة يرفض الفكرة ويعلن رفض تولي المنصب ويحزم حقائبه ويطير إلى سويسرا . (الجماعة) تقرر تغيير المادة السادسة التي تتيح للأحزاب اختيار الرئيس . المجلس الأعلى للأمن يختار وزير الدفاع اليمين زروال رئيسا للدولة . مرة أخرى (الجماعة ) تلجأ لفرض الأمر الواقع أو  للقوة (بغض النظر عن كونها عسكرية بحتة) وتماما كما حدث في جانفي 1979 تفرض الرئيس الذي اختارته تاركة الأحزاب المجهرية التي اعتقدت أن الأمر بالسهولة الذي توهمته ترضخ للأمر الواقع بين القبول به أو (تبليط البحر إن لم يرضها الأمر!! )
أفريل 1999:
في خطابه للأمة ليلة 11 سبتمبر 1998 رئيس الجمهورية اليمين زروال يعلن عن تنظيم انتخابات رئاسية دون الترشح فيها . كان اليمين زروال أنتخب رئيسا للجمهورية يوم 16 نوفمبر 1995 في أول انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ الجزائر. لكن بعد ثلاث سنوات فقط اضطر لتقليص عهدته الرئاسية والعودة لبيته . منح فرصة ل(الجماعة ) لإيجاد بديل مناسب له . فطرح اللواء العربي بلخير اسم عبد العزيز بوتفليقة . (الجماعة) لم تمانع وقررت جعله مرشحها باسم مرشح الإجماع الوطني . دخل سباق الرئاسيات سبع شخصيات هم أحمد طالب الابراهيمي ويوسف الخطيب ومقداد سيفي ومولود حمروش إضافة العبد العزيز بوتفليقة والخمسة من أبناء النظام سبق وتقلدوا عدة مناصب في مؤسسة الحكم . وحسين آيت أحمد وعبد الله جاب الله من المعارضة . لكن مع انطلاق عمليات الاقتراع فيما يعرف بالصناديق المتنقلة المخصصة للبدو الرحل والقوات النظامية و الجالية تأكد الفرسان الستة أن (الجماعة ) اختاروا مسبقا الرئيس القادم. وأن الانتخابات مجرد إجراء شكلي فقرروا الإنسحاب . يوم اقتراع عامة الشعب يوم 15 أفريل 1999 يبقى المرشح عبد العزيز بوتفليقة وحيدا . يساوم (الجماعة ) على النسبة التي سيفوز بها . (الجماعة ) تقترح اعتباره فائزا بنسبة 53% من الأصوات بينما يصر على نسبة لا تقل عن النسبة التي احرزها زروال في رئاسيات 1995 وهي 63% . صبيحة الغد وفي مؤتمر صحفي وزير الداخلية عبد المالك سلال يعلن فوز بوتفليقة بأكثر من 73%من أصوات الناخبين! مرة أخرى (الجماعة) تنهي الصراع  وفق فرض الأمر الواقع . القوة مرة أخرى تصنع رئيس الجزائر بغض النظر عن وجه هذه القوة عسكرية صرفة كانت أم مقنعة ومقننة !!
حكاية علي الغسال :
تروي كتب التاريخ أن (الجماعة) من الانكشاريين وصلوا إلى طريق مسدود وعجزوا عن ايجاد داي للجزائر سنة 1808. وحين لم يتمكن أي طرف من حسم الصراع قرروا اللجوء للعبة بسيطة، وهي أن يخرجوا و يتجولوا في القصر وأول شخص يصادفهم يقومون بتعيينه دايا! وكان الأمر كذلك لكن المفاجأة أن الشخص الذي صادفوه لم يكن إلا علي الغسال. تقول بعض  الروايات أنه سمي بالغسال لكثرة ما سفك من الدماء .وتقول رويات أخرى أنه سمي بذلك لأنه ولد في حمام. ولكن أقربها للحقيقة تقول انه سمي بالغسال لأنه كان غسال الموتى في القصر. وهكذا قامرت (الجماعة ) بمصير الجزائر وولت أمرها لغسال الموتى . ورغم أن فترة حكمه لم تتجاوز بضعة أشهر قتل بعدها لكن خلال هذه الفترة وقعت فرنسا وروسيا القيصرية اتفاقا سريا حول الجزائر.و في عهده كاتب نابليون بونابرت داي الجزائر مهددا متوعدا. ثم أرسل بعثة عسكرية سرية طافت الجزائر وقامت بدراسة طبوغرافية عن جغرافيا الجزائر مستعينة ببعض العائلات اليهودية كعائلة بن زاحوط. وفي عهده انفلتت الأمور وعجزت الخزينة عن دفع رواتب الجيش فاستباح مدينة الجزائر وعاث فيها خرابا وفسادا!!


الرئاسيات القادمة :
من سيجلس على كرسي قصر المرادية ؟؟
أردت من خلال كرونولوجيا الأحداث أعلاه أن أجد سيناريو لما يمكن أن تعرفه الانتخابات الرئاسية المقبلة . قلت في الموضوع السابق أن الصراع ربما يتمحور حول رئيسي الحكومة السابقين علي بن فليس وأحمد أويحي. لكن كل السيناريوهات الأخرى مطروحة. بما فيها أن تختار (الجماعة ) شخصا من بينها لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وهنا لا أستبعد طرح أحد هذين الاسمين: اللواء عبد المالك قنايزية الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني والقائد السابق لهيئة أركان الجيش الوطني الشعبي قبل أن يخلفه الفريق محمد العماري . والذي أعطي صلاحيات إضافية واسعة قبل فترة . أو اللواء عبد الغني هامل المدير العام للأمن الوطني و القائد السابق للحرس الجمهوري. تماما كما فعلت حين فرضت العقيد الشاذلي بن جديد أو اللواء اليمين زروال.
كل السيناريوهات مطروحة أمام ضبابية المشهد وغموض الرؤية . وإن كانت الآمال وبعد 50 سنة هو أن تعدل (الجماعة) قواعد اللعبة وأن تعطي نكهة أو إخراج أكثر قبولا للمسرحية وأن تختار شخصين تترك لنا أن نختار بينهما بكل حرية . أن تقدم لنا مترشحين تتوفر فيهما الكفاءة وتترك لنا مطلق الحرية في الفصل بينهما. وقد أثبتت التجارب المتلاحقة أن أسلوب فرض الأمر الواقع بالقوة دائما ما يوصل إلى طريق مسدود . وكما قال أينشتاين : ( الأغبياء وحدهم هم الذين يعيدون تكرار ذات التجربة وينتظرون نتائج مختلفة )؟؟!!
(اتفقت الجماعة أن تكون الإجابة كالتالي) هي العبارة التي يستعملها المتقدم للإجابة في حصة بين الثانويات الشهيرة التي كانت تبثها اليتيمة قبل سنوات . واختيار الرئيس دائما ما يخضع لاتفاق (الجماعة) بعيدا عن أي إرادة شعبية . لكن الأمل اليوم وبعد 50 سنة من استعادة الحرية وفي السنة ال51 أن تحدث ( الجماعة ) نقلة نوعية وتتفق هذه المرة ليس لاختيار خليفة للرئيس بوتفليقة أو حتى لإنهاء حكمه . لكن لتغيير قواعد اللعبة وقواعد الإختيار. فهل هذا كثير ؟؟؟!!!

الثلاثاء، 16 يوليو 2013

سيناريوهات الرئاسيات المقبلة

لم يتبق إلا بضعة شهور عن موعد الانتخابات الرئاسية ، الأمور غامضة ، الرئيس مريض لا أحد يعرف حقيقة وضعه الصحي إلا الفرنسيون وعائلته . أكبر حزبين وهما جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي دون قيادة منذ عدة أشهر . هل ستجري الرئاسيات في موعدها  شهر افريل القادم كما أكد وزير الداخلية دحو ولد قابلية ؟ وبالتالي هل تستمر الأمور على وضعها لغاية ذلك الموعد وهو بقاء الدولة دون قيادة يقوم خلالها الوزير الأول سلال بتصريف الأمور ؟ أم هل سيعود الرئيس بوتفليقة ليكمل ما تبقى من عهدته والثالثة وهل يسمح وضعه الصحي بذلك ؟ و هل سيفاجئ الجميع ويعلن ترشحه لعهدة رابعة ؟
سأبدأ من حيث انتهيت وأكاد أجزم أن الرئيس بوتفليقة لن يعود لممارسة الحكم ولا مجال للحديث عن عهدة رابعة لأن الصور التي بثها التلفزيون الجزائري عن لقائه بالوزير الأول سلال وقائد أركان الجيش الوطني الشعبي قايد صالح تبين أن حالته الصحية لا تسمح له بمزاولة مهامه . ولكن وبما أن السياسة فن الممكن وتمارس في الجزائر خاصة وفق هذا المفهوم بكل تجلياته فقد يكون الأمر برمته مجرد مسرحية تنتهي بعودة فلكلورية كرنفالية يستقبل خلالها استقبال الفاتحين بحيث يترجل في الشوارع ويصافح المواطنين وقد يداعب الكرة . ووسط تلك النشوة العارمة يصرخ أحدهم مطالبا بعهدة رابعة لتتعالى الهتافات مطالبه الرئيس باستكمال المسيرة . هنا يعلن الرئيس أنه استجابة للمطلب الشعبي العام قرر الترشح لعهدة رابعة لتدوم الأفراح و الليالي الملاح !! ولكني استبعد هذا السيناريو لأن الرئيس أعلن بنفسه في خطاب ماي 2012 بسطيف أن جنانو طاب وقد انسحب بعدها تقريبا من الحياة السياسية بحيث لم يتحدث بعدها ولم يخاطب المواطنين الذين يحكمهم لغاية الإعلان عن مرضه يوم 27 أفريل الماضي في سابقة تاريخية بحيث لا يكلم رئيس مواطنيه ولا يسمعون صوته لمدة سنة . بقي خلالها يظهر صورة فقط يستقبل هذا وذاك ؟؟!!
في اعتقادي العهدة الثالثة للرئيس بوتفليقة انتهت رمزيا يوم 8 ماي 2012 بسطيف . ثم انتهت عمليا بعد عملية تيقنتورين الإرهابية بإن أميناس  حين بدا واضحا أن المؤسسة العسكرية هي من حسمت القضية واستعادت بموجب هذه العملية زمام المبادرة . وقد قلت حينها تعليقا عن العملية أن عملية تيقنتورين تعتبر نهاية حقبة وبداية مرحلة جديدة وأن الجزائر قبل تيقنتورين لن تكون الجزائر بعد تيقنتورين وأن أمورا كثيرة ستتغير بعد العملية . ثم انتهت العهدة الثالثة رسميا يوم السبت 27 أفريل 2013. المروجون لعهدة رابعة مجرد حالمين أو منتفعين يقبضون ثمن تصريحاتهم عدا ونقدا .
ولكن ماهي سيناريوهات المرحلة المقبلة ؟ في اعتقادي ويبقى الأمر مجرد تحليل شخصي أن التماطل الحاصل يعود لسببين ؟ السبب الأول هو عدم حصول توافق بين من يسمون صناع القرار حول هوية الرئيس القادم و أعتقد أن الأمر يدور حول شخصين لا ثالث لهما وهما رئيسي الحكومة السابقين علي بن فليس وأحمد أويحي . ثم  الجدول الزمني للرئاسيات . وأبدأ بالأمر الثاني ففي اعتقادي أن التماطل راجع للمواعيد الدستورية الواجب احترامها ، وتطبيق الرزنامة الدستورية التي تتحدث عن مهلة ال60 يوما سوف تصطدم لو أعلنت في هذه المرحلة  بشهر رمضان ومن ثم عيد الفطر ويليه ما تبقى من العطلة الصيفية وما يرتبط بها مع أسفار وأعراس . ثم يأتي الدخول الاجتماعي  والتحضيرات له . وهي كلها مواعيد لا تتناسب مع تنظيم انتخابات رئاسية . لهذا في اعتقادي تم التماطل في الحسم في الأمر لغاية فصل الخريف بين شهري أكتوبر و نوفمبر القادمين وهو موعد مناسب جدا لتنظيم رئاسيات مسبقة .
أما بالعودة للسبب الأول  وهو عدم تحديد هوية من سيخلف بوتفليقة ، فنعود هنا للصراع بين الحزبين الأكبر الأفالان و الأرندي . حين أطيح بأحمد أويحي فجأة من على رأس الأرندي ثم تلاه بلخادم حين أزيح من على رأس الأفالان بعد معركة طويلة استمرت لأشهر .وأمر كهذا من المستحيل اعتباره مجرد معركة حزبية بين مناضلي الحزبين فقط  بالنظر لموقع الحزبين ثم لتاريخهما وعلاقتهما بالسلطة . ويد من يسمون صناع القرار في صراع الحزبين واضحة وملموسة . تمت ( بهدلة بلخادم ) إلى أن تمت إزاحته لافساح المجال لعودة علي بن فليس حسب تخطيط جناح في السلطة . ثم تم استبعاد أويحي ب( مهماز ) لابعاده قليلا عن الساحة السياسية وفي نفس الوقت عرقلة التئام شمل الأفالان من طرف جناح آخر في السلطة . والصراع داخل هياكل المجلس الشعبي الوطني لا يخرج عن هذا السيناريو . والرئيس بوتفليقة بحكم خبرته ومعرفته بموازين القوى وصل لنتيجة أن ميزان القوى يميل لداعمي رئيس حكومته و غريمه السابق  علي بن فليس لهذا آثر أن يخرج من اللعبة ( وربما هذه القناعة التي توصل اليها هي ما رفع ضغطه وأصابه بالجلطة ) لأنه وبعدما حصل بين الرجلين سنتي 2003 / 2004 لن يسمح لنفسه بتسليم الرئاسة  لخصمه السابق . تبقى بعض التفاصيل حول إن كان عبد القادر بن صالح من سيقود مهلة ال60 يوما و المأزق الدستوري كونه تحصل على الجنسية الجزائرية في الستينات وهو العشرينات من عمره والدستور يتحدث صراحة عن الجنسية الجزائرية أصلا ! وكيفية إخراج السيناريو والممثلين المشاركين وأرانب السباق الذين سيتم الدفع بهم لتزيين الديكور. و العبارات و الشعارات التي سترفع .
ما أشبه اليوم بالبارحة :
في انتخابات سنة 1999 كان هناك توافق بين القيادات العسكرية من صناع القرار حول هوية مرشح الإجماع الوطني لخلافة اليمين زروال . واختارت هذه القيادات المرشح الأقل سوءا كما تم تسريبه فيما بعد وهو عبد العزيز بوتفليقة . و في رئاسيات 2004 اشتد الصراع و الخصومة بين الرئيس الطامح لعهدة ثانية عبد العزيز بوتفليقة ورئيس حكومته علي بن فليس . صراع انتهى بفوز ساحق للرئيس بوتفليقة توارى على اثرها بن فليس عن الانظار و انسحب من الحياة السياسية و العامة . لكنه بقي على دكة احتياطيي الجمهورية . صراع تبين بعدها أنه لم يكن إلا مجرد لعبة مكاسرة الأيدي بن الجنرالين القويين محمد مدين توفيق مدير جهاز الأمن و الاستعلامات . والراحل الفريق محمد العماري قائد أركان الجيش الوطني الشعبي . مكاسرة أيدي أنتهت بتمكن الجنرال توفيق من لي ذراع الفريق الراحل ما دفعه للاستقالة بعدها ببضعة أشهر . وهاهو السيناريو اليوم يتكرر ويبدو أن التوافق بعيد المنال هذه المرة وربما بصورة اشد مما كان عليه الأمر سنة 2004 . ولعبة مكاسرة الأيدي أو ربما عض الأصابع ستكون قاسية هذه المرة بين من يرون في علي بن فليس رجل المرحلة المقبلة وبعد احتراق أوراق الاسرة الثورية لا بأس بابن شهيد ينحدر من عائلة ثورية عريقة ومن ولاية لها ما لها رمزية تاريخية . وبين من يدفعون بأويحي للواجهة رغم يقينهم أنه لا يتمتع بالشعبية بل أنه احد أكثر الشخصيات المكروهة في المجتمع الجزائري .
أريد فقط أن أشير إلى أن هناك من يتحدث عن أحمد بن بيتور أو عبد المالك سلال أو حتى عمار غول . الأول لا أعتقد أن له حظوظا لأنه خرج للعلن مبكرا وكشف أوراقه قبل أوانها . والانتخابات الرئاسية في الجزائر لا تجري وفق هذه المثالية التي يتبناها بن بيتور . أما عبد المالك سلال فلا أعتقد أنه يصلح لتولي المنصب بكل بساطة ! أما غول فالصورة كاريكاتورية !!
نتائج التشريعيات الماضية ثم الاطاحة ببلخادم وأويحي واعتزال سعيد سعدي وآيت أحمد للسياسة وتحول - حمس - للمعارضة بعد تغيير قيادتها ثم  تفجير ما يسمى بقضية سوناطراك  2  و الحملة الشرسة على الدائرة الضيقة للرئيس بوتفليقة بمن فيهم شقيقه وتسريب خبر عن إقالته له وبعدها مباشرة الإعلان عن مرضه ونقله لباريس ثم عزل أقرب مقربيه سفير الجزائر بباريس ...صور مبعثرة ومتناثرة لو تم تجميعها قد نصل لنتيجة لما يحصل وما سيحصل .
يبقى هذا مجرد تحليل شخصي لا أجزم بصحته .  وفي الأخير لا استبعد السيناريو المصري الذي جرى مؤخرا . وردة الفعل الدولية مبشرة لمن يفكر به  وإن اختلفت ظروف البلدين . والجزائر لها سوابق في هذا الأمر . ثم ألسنا دولة افريقية ؟؟!!

الأحد، 3 فبراير 2013

…وتبقى دار لقمان على حالها


كتبهاعلي الجزائري الجزائري ، في 12 مايو 2012 الساعة: 15:48 م

انتهى العرس الانتخابي وتفرق الحضور من المنشطين والمنظمين والمطبلين له و(الرقاصين و الرقاصات) الذين زينوا ديكوره طيلة حوالي شهر من عمر حملة انتخابية أجمع الكل أنها كانت باهتة وفاشلة بكل المقاييس . حملة انتخابية شارك فيها 45 حزبا من بينها أكثر من 20 حزبا نشأ قبل بضعة أسابيع من انطلاقها . 20 حزب سمح له بالاعتماد دفعة واحدة بعد 12 سنة من غلق اللعبة السياسية و12 سنة من المنع القسري للتطور الطبيعي للحياة السياسية و12 سنة من منع تجدد الطبقة السياسية وتجميد حركيتها وتجددها و تطورها. حملة انتخابية شارك فيها 45 حزب وعشرات القوائم الحرة والتي رافقها حملة تهويل وتخويف وحتى تخوين الرافضين لهذا الطريق وهذه المنهجية. حملة رافقها تحذير من التدخل الأجنبي والحلف الأطلسي والفوضى و العودة لسنوات العشرية السوداء ومع هذا لم تتجاوز نسبة المشاركة 42% فقط. نسبة اعتبرها البعض ايجابية ووصفها البعض الآخر بالنصر المبين وشكر آخرون المواطنين عليها والتي برأيهم  فوتت الفرصة على دعاة المقاطعة ودعاة التشكيك و التعفين ! هذه النسبة الضئيلة التي رأى فيها البعض أنها ايجابية فقط لأنهم قارنوها بتشريعيات 2007 التي لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 37% لأن التخوف و الرعب الذي دب وسط منظمي هذه الانتخابات و المشاركين فيها(الفائزين طبعا) كان من نسبة مشاركة ضئيلة دون ال30% . (فلو كانت نسبة المشاركة في تشريعيات 2007 مقبولة لاعتبرت نسبة 42% كارثية لكن الخلق اعتبروها نصرا فقط بالمقارنة مع كارثة 2007!!) .
وظهرت النتائج التي كانت متوقعة وإن كانت مبالغ فيها نوعا ما. فكل عاقل كان يعرف أن جبهة التحرير الوطني ستحافظ على الصدارة. وأن التجمع الوطني الديمقراطي سيكتفي بالمركز الثاني. فيما ستتنافس أحزاب تكتل الجزائر الخضراء أو جبهة التغيير أو جبهة العدالة و التنمية على المركز الثالث. و يعود الفتات لبقية غثاء السيل. فقط المغفلون و الحالمون والذين أعمى الطمع الذي يفسد الطبع أبصارهم وبصيرتهم اعتقدوا عن وهم وسذاجة أنهم سيحققون المفاجأة ويترجمون التغيير الذي تم إيهامهم به لفوز كاسح يعيد تشكيل الخريطة السياسية الجزائرية. هؤلاء الذين اعتقدوا عن وهم وسذاجة وطمع أنهم سيجنون ما جناه نظرائهم في تونس ومصر و المغرب وراحوا يمنون أنفسهم بقيادة الحكومة والتحكم في التعديل الدستوري المنتظر . فراح تكتل الجزائر الخضراء يتحدث عن فوز بالقاضية وأنه سيعلن عن الفوز قبل أن يعلنه وزير الداخلية. وأنه سيفرض النظام البرلماني عند مناقشة تعديل الدستور متناسيا أن هناك مجلسا آخر اسمه مجلس الأمة به ما يسمى بالثلث المعطل. وراح حتى يعلن أن وزيره عمار غول سيكون رئيس البرلمان القادم. في حين راح عبد الله جاب الله يبشر بفوز كاسح يسمح له بتنفيذ برنامجه الذي سيمكنه من القضاء على الفقر خلال سنة. متجاهلا المادة 79 من الدستور المعدل سنة 2008 التي تشير بوضوح أن رئيس الجمهورية من يعين الوزير الأول دون أن يشير أنه ملزم بتعيينه من تشكيلة حزب الأغلبية. وأن هذا الوزير الأول يكون مكلفا بتنفيذ برنامج رئيس الجمهورية لا برنامجه الحزبي. في حين دعا عبد المجيد مناصرة لضرورة إعطائه الأغلبية حتى لا يكون البرلمان القادم فسيفساء من أحزاب كثيرة دون أغلبية تمنحه القوة اللازمة.
أما عن النتائج فقد كانت كما قلت متوقعة وإن كانت مبالغا فيها قليلا من جهة نسبة المشاركة التي يرى الكثير أنها ضخمت نوعا ما و في اعتقادي أنها كانت حوالي 35% لا أكثر لأن أرقام المشاركة ارتفعت في بعض المناطق وفي أوقات محددة بطريقة غير منطقية. ففي العاصمة مثلا وقبل 3 ساعات من غلق مكاتب الانتخاب لم تكن تتجاوز 18% لتقفز لأكثر من 30% عند غلق المكاتب . و في ولاية خنشلة فكانت النسبة 49% عند  السابعة مساءا لتقفز بعد تمديد الاقتراع لساعة إضافية إلى 56% ! أما بالنسبة للفوز الكاسح لحزب جبهة التحرير الوطني ففي اعتقادي أنه كان محسوما  ومتوقعا لكن النسبة التي أحرزها مسألة فيها نظر !؟
تكريس الاستمرارية :
الملاحظ و المتتبع للشأن الجزائري يلحظ حالة السخط العام وحالة عدم الرضا والاضطرابات و الإضرابات التي شملت كل القطاعات تقريبا . الكل يشتكي و الكل يجمع أن الأمور ليست على ما يرام . ومع هذا جاءت نتائج الانتخابات تكريسا لما هو موجود وهو فوز  الأحزاب المشكلة للحكومة بالأغلبية الساحقة . ما يجعل السلوك الانتخابي للناخب الجزائري غير مفهوم وغير منطقي وغير معقول ، شعب ناقم ساخط على الحكومة وعلى كل ما يرمز للحكومة ينتفض يوميا ويحرق ويكسر ويغلق الطرقات . إضرابات دائمة و شاملة مست تقريبا كل القطاعات. لكن عند الانتخاب يقرر إبقاء الوضع على ما هو عليه ويبقي على نفس المسؤولين و نفس الوجوه ؟ وإن كان الأمر يحتمل 3 تفسيرات في اعتقادي :
1-أن الأغلبية قاطعت الانتخابات. فهناك 9 ملايين شخص فقط انتخب من بين أكثر من 21 مليون مسجل. من بين ال9 ملايين شخص انتخبوا هناك أكثر من مليون و 600 ألف ورقة ملغاة . أي أن عدد الأصوات المعبر عنها 7 ملايين صوت فقط. من بينها أصوات انتخبت على التغيير أي على بقية الأحزاب التي نادت بإحداث التغيير و القطيعة . يعني أن من انتخب على الحزبين الفائزين الأفالان و الأرندي لم يتجاوز الأربعة ملايين صوت . وهؤلاء راضين بالأداء الحكومي سواء عن قناعة أو عن حسن نية أو وفق منطق( لي تعرفو خير مللي ما تعرفوش) أو لا يفرقون بين جبهة التحرير التاريخية وجبهة التحرير كحزب وسط أحزاب متنافسة أومنتفعين نالوا مزايا تجعل بقاء الوضع الراهن مرتبط بعدم المساس بمصالحهم.
2- وهنا أستعير من رواية عمارة يعقوبيان للكاتب المصري علاء الأسواني هذه المقتطفات (الناس الساذجة فاهمين أننا بنزوّر الانتخابات …أبدا …كل الحكاية أننا دارسين نفسية الشعب المصري كويس…المصريين ربنا خلقهم في ظل الحكومة…لا يمكن لأي مصري يخالف حكومته…فيه طبعا شعوب تثور وتتمرد إنما المصري طول عمرو يطأطئ لأجل ياكل عيش…الكلام ده مكتوب في التاريخ. الشعب المصري أسهل شعب ينحكم في الدنيا…أول ما تاخذ السلطة المصريين يخضعوا لك و يتذللوا لك وتعمل فيهم على مزاجك… وأي حزب في مصر لما يعمل انتخابات وهو في السلطة لازم يكسبها لأن المصري لازم يؤيد الحكومة… ربنا خلقه كدا …) بدون تعليق !!!
3- أن الانتخابات مجرد مسرحية ديكورها صناديق وطوابير الناخبين ومراقبين دوليين وإشراف قضائي . في حين أن النتائج تطبخ في مكان بعيد عن الأعين و الآذان و الألسن … والأنوف .
فتاوى على الهوا:
 صاحب هذه الانتخابات تهاطل الفتاوى من كل حدب وصوب كلها تحذر من العزوف ومن المقاطعة . لكن يبقى أكثرها إثارة فتوى وزير الشؤون الدينية و الأوقاف بوعبد الله غلام (استغفر الله) والتي وصف فيها من يتخلف عن المشاركة بالمنافق . ولا أدري ما موقفه اليوم وهل يعتبر أكثر من 11 مليون مواطن لم يكن في الموعد بالمنافقين ؟ تخيلوا دولة 11 مليون  من مواطنيها منافقين وفق منطق وزير الأوقاف ؟! أو تلك الفتوى التي أطلقها أحد الشيوخ الأفاضل ووصف فيها مقاطع هذا الموعد بالمتولي يوم الزحف وهي تهمة خطيرة لأن المتولي يوم الزحف مرتكب لإحدى الموبقات السبع وفق الحديث الشريف . فتخيلوا دائما ووفق منطق شيخنا الفاضل دولة بها أكثر من 11 مليون مرتكب لموبقة و مهلكة إذ تولى يوم الزحف . أو الفتوى التي أطلقها الشيخ شمس الدين والتي وصف الانتخاب في هذا الموعد بالواجب و المتخلف عنه بالآثم . ودائما وفق هذا المنطق تخيلوا دولة أكثر من 11 مليون من مواطنيها آثمين ؟؟!!
من انتخب ؟
الملاحظ في نتائج هذه الانتخابات أن أعلى نسب المشاركة سجلت بالولايات الفقيرة و المتخلفة والتي اعتادت احتلال ذيل الترتيب في نتائج البكالوريا ؟ الأغواط ، البيض، النعامة ، حتى الطارف التي يطلق عليها أهلها ولاية الطرائف  …الخ فيما عرفت المدن الكبرى أدنى نسب المشاركة . فبغض النظر عن ولايات منطقة القبائل المعروفة بعزوفها عن الانتخابات . نجد مثلا العاصمة التي استفادت من مشاريع عملاقة من ميترو لترامواي  إلى تجديد شبكة الطرق و الأنفاق و المحولات لم تتعد فيها نسبة المشاركة 30% . قسنطينة 39%. باتنة 38% . حتى سطيف التي خطب فيها الرئيس بوتفليقة قبل يومين من الانتخابات خطابه العاطفي لم تتجاوز النسبة فيها 46%. بل حتى تلمسان مسقط رأس الرئيس واغلب الوزراء و التي احتضنت مهرجان عاصمة الثقافة الإسلامية و استفادت من مشاريع تنموية ضخمة لم تتجاوز نسبة الانتخاب فيها 48 % ؟! ونفس الشيء ينطبق على مدن وهران وعنابة والبليدة .
على أمل :
في كل دول العالم حين ينتخب المواطنون ممثليهم في البرلمان ينتخبونهم على برنامج واضح ينفذونه فتجدد فيهم الثقة في الانتخابات اللاحقة أو يخفقون فينتخب غيرهم . وعندنا في انتخاباتنا البائسة ما زال الناس يرددون أنهم فعلوا ما عليهم فعله و(استجابوا لنداء الوطن ) وانتخبوا - على أمل- أن ينفذ من انتخبوهم لوعودهم . وتتكرر الاسطوانة مع كل انتخابات : لم يوفوا بوعودهم ولم نعد نراهم حتى . لكن و ( استجابة لنداء الوطن) سننتخب - على أمل - ألا يخيبوا أملنا هذه المرة ويجسدوا وعودهم … وهكذا دواليك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها !!
ما الحل ؟
برهنت السلطة أنها أذكى بكثير من الطبقة السياسية المتواجدة على الساحة . بل و اعتادت التلاعب بها وحتى خداعها لتمرير مشاريعها . في رئاسيات 1995 مثلا خدع الراحل نحناح وجر للمشاركة في الانتخابات لإعطاء مصداقية لفوز اليمين زروال.وفي رئاسيات 1999 خدع مولود حمروش وأحمد طالب الابراهيمي وحتى السياسي المتمرس حسين آيت أحمد وتم إيهامهم أن الانتخابات ستكون نظيفة وشفافة لكن تبين أنهم استعملوا فقط لإعطاء مصداقية لسيناريو انتخاب مرشح الإجماع الوطني عبد العزيز بوتفليقة . وحتى انسحابهم من السباق كان متأخرا. وفي رئاسيات 2004 أوهم الجميع أن علي بن فليس منافس جدي للرئيس المترشح بل ذهبت التحاليل لحد الجزم أن النتائج ستحسم في الدور الثاني ليفاجئ الجميع بفوز بوتفليقة بأكثر من 84 % . وفي هذه التشريعيات دفعت الجميع للحلم بأن الجزائر ستشهد تغييرا حقيقيا فخدع الأفافاس وشارك بعد قطيعة . وأسس جاب الله حزبا جديدا توعد باكتساح التشريعيات من خلاله . وتحالف أبو جرة مع النهضة و الإصلاح وبشروا باكتساح الصناديق. فكانت الصفعة المدوية والخدعة التي انطلت على الجميع . هذا هو المشكل في الجزائر : البديل عن السلطة مجموعة مهرجين و حمقى وسذج من السهل التلاعب بهم و خداعهم ورمي طعم بسيط لجذبهم ومن ثم رميهم و الضحك عليهم و إضحاك الناس عليهم .أحزاب تخالف شعاراتها ممارساتها فحتى الحزب الفائز جبهة التحرير الوطني تداول على قيادته أربعة أمناء عامين منذ إقرار التعددية قبل 20 سنة في حين بقيت الأحزاب التي تدعي الديمقراطية وتدعو للتغيير والتداول على السلطة خاضعة لنفس زعيمها ومؤسسها منذ 20 سنة . بل ومنهم من أسس ثلاثة أحزاب ما إن يفقد السلطة في حزب حتى يغادره ليؤسس حزبا جديدا حتى يبقى هو الزعيم الأوحد ! فهل يؤتمن هؤلاء على مصير الجزائر لو حكموها يوما ليتفاوضوا مع القوى الكبرى و العظمى ؟؟ ستكون الكارثة طبعا . أم هل ننتظر منهم تجسيد التغيير والتداول على السلطة ؟!  فاقد الشيء لايعطيه .
لذلك إلى أن يتوفر البديل القادر على أخذ زمام الأمر في بلد بحجم وموقع وثروات و إمكانيات الجزائر وإحداث التغيير الحقيقي ونحو الأفضل . أردد ما قاله ذات يوم الملك المغربي الراحل الحسن الثاني للرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك حسبما أورده هيكل في أحد مؤلفاته:
plus ça change , plus c’est la même chose
و إلى ذلكم الحين سننتظر ( إني معكم من المنتظرين ).

خطبة الوداع في سطيف؟ على عينّا وراسنا شكر الله سعيك


كتبهاعلي الجزائري الجزائري ، في 9 مايو 2012 الساعة: 15:47 م

احتفالا بالذكرى ال67 لمجازر 8 ماي 1945 وقبيل يومين من موعد العاشر ماي تاريخ الانتخابات التشريعية قام رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة بزيارة لمدينة سطيف، زيارة ظاهرها الاحتفال بذكرى مجازر الثامن ماي التي كانت مدينة سطيف مسرحا لأكثر فصولها ايلاما رفقة مدينتي قالمة وخراطة ببجاية. وباطنها مطالبة الجزائريين بالتوجه بقوة ورفع نسبة المشاركة بعدما لاح شبح العزوف ولاحت تباشير المقاطعة الشعبية الواسعة لهذا الحدث الانتخابي. في هذه الزيارة التي دشن خلالها الرئيس بوتفليقة بعض المشاريع وترجل عبر شوارع المدينة ، يبقى أهم ما ميزها الخطاب الذي ألقاه بالمناسبة. خطاب أقرب لخطبة الوداع. خطاب عاطفى حاول خلاله الرئيس اللعب خلال الوقت بدل الضائع ودغدغة عواطف الجزائريين لدفعهم للمشاركة في الانتخابات لإنقاذ مصداقية إصلاحاته أولا، ثم لضمان مشاركة مقبولة تبيض صفحته أمام الرأي العام الأجنبي الذي أصبح أكثر ما يهمه وما يؤرقه.
في هذا الخطاب الذي ما ميزه كالعادة هو الكلام المرتجل الذي خرج فيه عن النص وفي قاعة زرقاء منصة وستائر وفراش ومقاعد وهو اللون الذي اختاره رمزا لحملته الانتخابية ثم لعهدته الرئاسية. اللون الأزرق الذي بدا الرئيس مولعا به لحد تغيير ديكور نشرة الثامنة وصبغه بالأزرق وطلاء أعمدة الإنارة في شوارع المدن باللون الأزرق وإجبار أصحاب المتاجر على طلاء واجهات محلاتهم باللون الأزرق!(معاك يا الخضرا أغنية للعامة فقط من الغاشي و المغفلين!).في هذا الخطاب أقول بدا الرئيس منهكا متعبا وقد أقر بلسانه بالأمر حين راح يردد (طاب جناني). خطاب بدا خلاله الرئيس أنه على وشك الانسحاب حين رد على مطالبيه بالعهدة الرابعة ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها . ورحم الله من عرف قدره). مخاطبا الشباب بضرورة الاستعداد لتحمل المسؤولية وحمل الأمانة التي حملها جيله جيل الثورة طيلة 50 سنة. وأن جيل مجاهدي ثورة التحرير ( طاب جنانو) ودوره في تسيير الجزائر قد انتهى. وعلى الشباب تسلم المشعل ( بل عليه انتزاعه عنوة) داعيا الجزائريين للتوجه بقوة لصناديق الاقتراع لإنقاذ الجزائر من التدخل الأجنبي المتربص بالجزائر.
في هذا الخطاب الذي استغرب فيه الرئيس لكون بعض الشباب لا يعرف الراحل أحمد بن بلة ولا الشهداء عميروش وسي الحواس وعبان رمضان. دعا خلاله الشباب للعودة لتاريخه ودراسة أمجاد أجداده. لكنه عاد ليحمل نفسه وكل من تولى المسؤولية وتحمل الأمانة مسؤولية أن لا يعرف بعض شباب الجزائر أحمد بن بلة ولا شهداء ثورة التحرير لأنهم لم يدرّسوا جيل الاستقلال وشباب الاستقلال تاريخ الجزائر وتضحيات أجدادهم.( روى لي أحدهم أنه كان رفقة صديقه وقبيل أذان المغرب استسمحه ليعود للبيت لأن مسلسل مراد علمدار قد حان موعد بثه - المسلسل التركي وادي الذئاب لبطله بولات ألمدار الذي حولته الدبلجة الشامية لمراد علمدار- ولما سخر محدثي من الأمر رد عليه صديقه أنه مسلسل جدير بالمشاهدة فهو شخصيا يتثقف منه؟! والطامة أن هذا الذي يتثقف من خلال مسلسل مدبلج  وليس كتاب أو شريط وثائقي أو برنامج علمي خرّيج جامعة ! فهل ننتظر شيئا من هذا و أمثاله الكثيرين ؟)
هذا الخطاب الذي ظهر فيه كالعادة بعض أشباه البشر كذلك الذي راح يصرخ ( عندنا شعار هو الثقة في الوثيقة لكننا رميناه جانبا واستبدلناه بشعار الثقة في بوتفليقة) واستغرب فعلا أنه في 2012 مازال هناك أصناف بشرية تفكر بهذه الطريقة .
في هذا الخطاب وصف الرئيس هذه الانتخابات بالمصيرية و المغايرة للانتخابات السابقة و التي ستجري ( هذه المرة ) في كنف الشفافية الحرية و التعددية و الديمقراطية في اعتراف صريح أن الانتخابات السابقة شابتها شوائب ولم تكن شفافة ولا حرة و لا تعددية و لا ديمقراطية . هذه الانتخابات التي افرزت برلمانات ناقشت قوانين مصيرية، هذه البرلمانات التي انبثقت عن انتخابات غير شفافة وغير حرة وغير تعددية و غير ديمقراطية عكس انتخابات هذه المرة ناقشت صرف المال العام عبر قوانين المالية وقوانين المالية التكميلية. وصادقت على قانون المحروقات الأول ثم صادقت على نقيضه بعد أقل من سنة. وعدلت قانون الاجراءات المدنية و الادارية وقانون العقوبات. وصوتت مؤخرا على قوانين الانتخابات و الأحزاب وبقية قوانين ما يسمى بالاصلاحات التي باشرها رئيس الجمهورية. بل وخاضت في وثيقة الدولة الأسمى وهي الدستور حين دسترت الأمازيغية. ثم عدلت المادة 74 التي تحدد العهدات الرئاسية . هذه البرلمانات السابقة التي انبثقت عن انتخابات غير شفافة وغير حرة و غير ديمقراطية و غير تعددية عكس انتخابات هذه المرة عبثت بالدستور وفتحت العهدات الرئاسية على مصراعيها لضمان الجالس على كرسي الرئاسة الخلود فيه ؟ !  هل هناك عبث يفوق هذا العبث ؟ !
نحن غيرنا :
استغرب الرئيس بوتفليقة خلال هذا الخطاب كيف لا يعرف بعض الشباب أول رئيس جزائري وأحد قادة الثورة التحريرية الراحل أحمد بن بلة ولا عبان رمضان ولا العقيد سي الحواس و العقيد عميروش والعقيد لطفي . داعيا الشباب الجزائر للعودة لتاريخه ( حتى نكون نحن ولا نكون غيرنا )؟! مباشرة بعدها بثت نشرة أخبار تلفزتنا المبجلة صور الرئيس وهو يدشن بعض المرافق الجامعية مخاطبا الشخص المقابل له بلغة ( غيرنا) لغة مرتكب مجازر 8 ماي 1945. وقاتل عميروش وسي الحواس ولطفي وسجّان بن بلة. ثم دشن مدرسة أشبال الأمة العسكرية متبادلا أطراف الحديث مع أحد الضباط السامين بلغة ( غيرنا) لغة مرتكب مجازر 8 ماي 1945. وقاتل عميروش وسي الحواس ولطفي وسجّان بن بلة. ثم ختمت هذه الصور التاريخية و الجميلة والعاطفية و المعبرة بطفلة صغيرة في الرابعة أو الخامسة من عمرها وهي تخاطب رئيسها بلغة ( غيرنا) لغة مرتكب مجازر 8 ماي 1945. وقاتل عميروش وسي الحواس ولطفي وسجّان بن بلة :
je t’aime parce que vous êtes le meilleur président qui existe sur la terre
فرد عليها رئيس الجزائر بلغة ( غيرنا) لغة مرتكب مجازر 8 ماي 1945. وقاتل عميروش وسي الحواس ولطفي وسجّان بن بلة :
moi aussi je t’aime ma fille
وطبعا هذه الصغيرة البرعمة البريئة ستكبر وفي ذاكرتها أنها خاطبت رئيسها بلغة ( غيرنا) لغة مرتكب مجازر 8 ماي 1945. وقاتل عميروش وسي الحواس ولطفي وسجّان بن بلة. ورد عليها وهو في قمة الغبطة و السرور بلغة ( غيرنا) لغة مرتكب مجازر 8 ماي 1945. وقاتل عميروش وسي الحواس ولطفي وسجّان بن بلة!!؟؟!!
وبالعودة لأولئك الرهط من الغاشي الذين راحو يرددون كلام شبيه بما كان يردد في بلاط سلاطين العهد الأموي و العباسي فلا بأس أن نعود بهم لمن هم خير مني ومنهم ومن بوتفليقة .أبو بكر الصديق الصحابي الجليل صاحب رسول الله - ص- في الكهف وأحد العشرة المبشرين بالجنة حين تولى خلافة المسلمين وقال قولا مأثورا( ولّيت أمركم ولستم بخيركم فإن أصبت فأعينوني وإن أخطأت فقوّموني) . والفاروق عمر بن الخطاب الصحابي الجليل احد العشرة المبشرين بالجنة ثاني الخلفاء الراشدين حين قال( رحم الله امرءا أهدى إليّ عيوبي). كيف لا ومحمد رسول الله خير خلق الله و وقد نزلت عليه الآية التي مازالت تقرأ لليوم ( ما أنا إلا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد ). فما لنا نرى أناسا يقدسون ويؤلهون فردا هم من انتخبوه ( زعما) وهم من اختاروه من بين غيره.مجرد رئيس جمهورية يحترم و يطاع بحكم المنصب دون مبالغة أو زيادة أو تهويل ودون الكوميديا و التهريج التي يحاول البعض إضفائها على الأمر .  رئيس جمهورية منتخب إن فشل وأخفق ينتقد ويختار غيره . وإن كان عاجزا بحكم السن أو المرض يسلم الأمانة. وليس كما فعل بعض من لا أدري هل يحملون داخل أمخاخهم عقول بشر أم عقول بغال وحمير وديك رومي( و التي ليس لها عقول أصلا) حين راحوا يهتفون مطالبين الرئيس بعهدة رابعة وهم يرون أمامهم رجلا متعبا غير قادر حتى على التلويح بيده لتحيتهم فما بالك بتسيير بلد بحجم وموقع ومكانة الجزائر!! وكأن ليس ما فجر الأوضاع في باقي الدول العربية هو الرؤساء الذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة. وحكموا لعشرين وثلاثين و أربعين سنة حتى صار الناس يعتقدون أنهم من سنن الحياة ونواميس الكون لو زحزحوا من مكانهم لأختل توازن الأرض ولأشرقت الشمس من مغربها؟! لأنه إن أحبتهم أجيال فالشعوب تتجدد والأجيال الجديدة مقتتهم . فإن كنتم تحبون الرئيس بوتفليقة حقا سيأتي جيل بعد بضع سنوات يريد وجوها جديدة  وينتفض مطالبا بالتغيير ونبقى ندور في نفس الحلقة المفرغة ونكرر فشلنا وفشل غيرنا.
عن المنجزات من الطريق السيار إلى الميترو وتسديد المديونية  بربكم وأمام الوفرة المالية العائدة لارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية هل لو انتخب الابراهيمي أو حمروش سنة 1999 أو بن فليس سنة 2004 ألم تكن هذه المشاريع ستنجز . هذه المشاريع لإنعاش ذاكرة من لا ذاكرة له أطلقها الشاذلي بن جديد مطلع الثمانينات ولم تتوقف إلا بسبب انهيار أسعار النفط. ولم يعد بعثها إلا كون أسعار النفط عادت و ارتفعت وبلغت عنان السماء. لا عبقرية في الأمر لا لبوتفليقة و لا لأويحي ولا لغول ولا لعمار تو . ربما الفضل يعود لمطلقها أولا الرئيس السابق الشاذلي بن جديد . ف ( خدّموا عقولكم شوية ).
وبالعودة للانتخابات والتحذير من أن مقاطعتها ستؤدي للتدخل الأجنبي من طرف قوى الشر التي تتربص السوء بالجزائر ؟! فأين خطابات من قبيل ( زار المسؤول الفلاني الأمريكي أو البريطاني أو الفرنسي الجزائر وقد أكد دور الجزائر المحوري ومكانة الجزائر الريادية …. وقد عبر عن إعجابه وارتياحه و مساندته للإصلاحات التي باشرها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ؟!) ثم ما معنى من التحذير من التدخل الأجنبي مع إرسال وزير الخارجية لشرح شأن داخلي جزائري لوزارة الخارجية الأمريكية و للجمعية الوطنية الفرنسية . ومناقشة شأن داخلي جزائري مع مسؤول أمني أمريكي وبريطاني؟!
غدا العاشر ماي . غدا يوم الحسم . غدا اليوم الذي شبه بأول نوفمبر 1954 . وب 8 ماي 1945. غدا يكرم المرء أو يهان . ( إن موعدكم الصبح، أليس الصبح بقريب ).

جمهورية وليست مملكة…وشيء من الانتخابات


كتبهاعلي الجزائري الجزائري ، في 21 أبريل 2012 الساعة: 17:02 م

في إطار سياسة الاستغباء العام و الاستحمار الشامل انتشرت وسط الجزائريين مواطنين وساسة ، موالاة ومعارضة ، فكرة غريبة و عجيبة ومثيرة للحيرة و الضحك و ضرب أخماس على أسداس. هذه الفكرة مفادها أن رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة هو الوحيد الناجح والصالح والبريء من وضع يجمع الكل مواطنين وساسة ، موالاة ومعارضة أنه وضع مأساوي و كارثي . يتفق الجميع أن الجزائر ليست على ما يرام وأنها وصلت إلى طريق مسدود . بل ووصل الأمر بنشرة أخبار التلفزيون الرسمي الحكومي الناطق باسم السلطة إلى وصف الانتخابات التشريعية القادمة بأنها فرصة تاريخية نحو التغيير المنشود. وهو اعتراف صريح واضح أن الأمور تحتاج فعلا للتغيير.وبوابة هذا التغيير هو هذا الكرنفال الحاصل هذه الأيام والذي حول فعلا حضاريا راقيا هو الانتخابات إلى مهزلة ومسرحية رديئة الإخراج و الممثلين و الديكور … وحتى الحضور.
الغريب و العجيب في هذه الفكرة الغريبة و العجيبة هو توجه المواطنين و الساسة، معارضة و موالاة لتحميل أسباب الفشل  والإخفاقات لكل الأطراف ، فهو تارة الوزير الأول أحمد أويحي وحكومته الفاشلة ووزرائه عديمي المسؤولية. وهم تارة أخرى الولاة المقصرين والمتجبرين و المفسدين. وهم حينا آخر رؤساء البلديات الفاسدين المفسدين الراشين المرتشين .وهم حتى المواطنون المحتالون المتحايلون الكسالى عديمو حس المسؤولية و المواطنة و الوطنية. الكل مسؤول و الكل ملام إلا شخص واحد : الرئيس بوتفليقة ( خاطيه، لي تحتو- أو لي دايرين بيه- أي المحيطين به- هو دار لي عليه)!! معقول ؟! مكمن العجب و الغرابة في هذه الفكرة الغريبة العجيبة تكمن في أن مروجيها والمؤمنين بها والذين يرددونها كالببغاوات نسوا أو تناسوا أو تجاهلوا  أمرين ما إن ينجوا الرئيس  من الأمر الأول  حتى يتهم في الأمر الثاني:
الأمر الأول: نسي أو تناسى أصحاب هذا الطرح خطابات الرئيس حين انتخب سنة 1999 حين راح يردد أنه لن يقبل أن يكون ربع رئيس أو نصف رئيس أو ثلاثة أرباع الرئيس. بل سيكون رئيسا كامل الصلاحيات يتمتع بالسلطة المطلقة التي خولها له الدستور. بل وصل به الأمر إلى تجاوز الدستور نفسه والتعدي على صلاحيات باقي السلطات خصوصا سلطات و صلاحيات رئيس الحكومة. وتجاوز سلطة البرلمان حين راح يشرع بأوامر في الكثير من المسائل  متجاوزا الحالات الاستثنائية التي سمح بها الدستور . ركز كل السلطات في يده. أصبح الآمر الناهي. يملك حق تعيين رئيس الحكومة وعزله على هواه. وتعيين الوزراء وطردهم وعزلهم وتغيير حقائبهم الوزارية حسب مشيئته ومزاجه. تجاوز صلاحيات وزير الداخلية وقام بنفسه بتعيين الولاة و الأمناء العامين للولايات. وتجاوز وزير الخارجية فقام بتعيين السفراء والقناصلة. رئيس مثل هذه الصلاحيات من المنطقي أن يتحمل مسؤولية أي إخفاق أو خلل يشوب السير الحسن للشأن العام . فما بالك بحالة الانسداد الحاصلة حاليا . لأنه من غير المعقول أن يتمتع رئيس جمهورية بهذه السلطات الصلاحيات وتنسب إليه الانجازات (وشبه الانجازات) . لكن يتحمل وزيره الأول ووزرائه وولاته مسؤولية الكوارث و الإخفاقات. من غير المعقول و المنطقي أن يردد البعض من العامة والساسة ، معارضة وموالاة أن الفضل في انجاز الطريق السيار(الذي استهلك من الوقت و المال ما يكفي لشق طريق سيار عبر المتوسط يصل الجزائر بجزيرة سردينيا الايطالية) وفي انجاز الميترو ( الذي سيدخل موسوعة غينيس كأبطأ مشروع ميترو في الماضي و الحاضر و المستقبل ولن يحطم رقمه إلا أنجاز ميترو آخر بوهران أو قسنطينة أو عنابة ) وفي المليون والمليوني سكن (التي أنجزت في قاعة اجتماعات مجلس الوزراء فقط) . وفي الثلاثة ملايين منصب شغل ( بدون تعليق !) الفضل في هذا يعود لرئيس الجمهورية وحده دون سواه يحمد ويشكر على فضله و منّته  . لكن ما رافق هذه المشاريع و غيرها من فساد وغش وتلاعب و نهب. وما تعرفه المدن الجزائرية جلها أو كلها من تدهور لا سابق له في التهيئة وأصبحت شوارعها وطرقاتها لا تصلح حتى لسير الجرارات و المجنزرات . وما يحدث من اختلاسات وفضائح مالية في وضح النهار. والمرتبة 6275 التي احتلتها أحسن جامعة جزائرية في تصنيف أفضل جامعات العالم . وتدهور المنظومة التربوية بل وانهيارها. وانتكاسة الرياضة الجزائرية . وأزمة الماء والكهرباء والبريد التي لم تشهد لها الجزائر مثيلا .ولهيب الأسعار وأزمات النذرة من الحليب إلى السكر ثم البطاطا والطماطم و السردين. وتراجع الديبلوماسية الجزائرية التي تحولت من ديبلوماسية فاعلة إلى أضحوكة ومثار للسخرية و التنكيت من القريب و البعيد . الصغير و الكبير من كبار العالم ، كل هذا تتحمل مسؤوليته أطراف أخرى و الرئيس بريء منها براءة الذئب من دم يوسف. من غير المعقول و المنطقي أن لا يكون الرئيس المنتخب (بغض النظر عن مصداقية انتخابه ونزاهتها ) مسؤولا مسؤولية شخصية مباشرة عن كل هذا أمام الله أولا ثم أمام الشعب الذي تولى مسؤوليته و تحمل أمانته . ثم أمام التاريخ الذي سيكتب لا محالة أن الجزائري في عهد ما أطلق عليه بالعزة و الكرامة صار يشار إليه عالميا ( بالحرّاق) شعاره (روما ولا نتوما) و ( ياكلني الحوت وماياكلنيش الدود). وأن الجزائري في هذه الفصول الماطرة والسدود الممتلئة ما زال يتزود بالماء بالصهاريج . وأن الجزائري في بلد الغاز قضى ليالي تعتبر من أبرد الليالي التي مرت على الجزائر منذ عشريات وهو واقف في طابور لعله يظفر بقارورة غاز. وأن الجزائري بعد 50 سنة من طرد فرنسا بتضحيات الرجال صار أكبر همه أن يفر لفرنسا ويستقر بها وينال جنسيتها . وأن الجزائري بعد 50 سنة من استعادة الحرية و 50 سنة من البناء  والتشييد و التعليم ما زال يتوجه لتونس لقضاء عطلته أو لمداواة علله وأمراضه. وأن الجزائري بعد 50 سنة من استعادة الحرية وبعد عشرية من الكرامة و العزة الموعودة تحول لمجرد ( خمّاس) لدى الفرنسيين و المصريين و الأمريكيين والصينيين والهنود و الكروات و كل الأجناس التي فتحت لها أبواب الجزائر على مصراعيها للاغتناء ونيل حصتها من عائدات النفط الغير مسبوقة. عائدات النفط الوحيدة التي لها الفضل ( الفضل لله الذي حبا هذه الأرض بهذه النعمة ) في كل المشاريع و شبه المشاريع وأنصاف المشاريع التي يحاول البعض إيهام المغفلين أنها من معجزات القرن 21.
أما الأمر الثاني فهو وعلى فرض صدق ما يذهب إليه مروجوا هذه الفكرة والمؤمنون بها و مرددوها كالببغاوات من المواطنين و الساسة ، معارضة و موالاة من أن الرئيس بريء و لا يتحمل المسؤولية لأنه أطلق المشاريع  و البرامج و قدم التوجيهات . لكن المكلفين بتنفيذ هذه البرامج و المشاريع من وزراء وولاة وأميار هم من خان ثقة الرئيس وأخلفوا وعودهم فغشوا و نهبوا  وعطلوا المشاريع . أي ببساطة لم ينفذوا توجيهات الرئيس. والذين يبرؤون الرئيس في هذه الحالة سرعان ما يتهمونه دون أن يدروا بالضعف وقلة الحيلة . ويرسمون عنه صورة رئيس لا يملك زمام أمره . تحت رحمة وزرائه ووزيره الأول . لا يقدر على وال ولا على رئيس بلدية . رئيس ضعيف و عاجز بلا حول و لا قوة . في هذه الحالة أليس هذا الضعف و العجز و قلة الحيلة خيانة للمسؤولية و الأمانة لأنه في هذه الحالة ما الفائدة من وجوده ؟ أليس وجوده من عدمه سيان إن كان غير قادر على محاسبة وزيره الأول الذي عينه بمحض إرادته؟ ولا وزرائه الذين عينهم وفق مشيئته ؟ ما الفائدة من وجوده إن كان غير قادر على وقف تجاوز وال أو رئيس بلدية أو دائرة ؟
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه (لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها يوم القيامة). وفي عهد الفاروق لم تكن هناك مواصلات حديثة ولا وسائل اتصالات كالتي عليه اليوم. بل يستغرق الأمر أسابيع ليصل الخبر من العراق أو مصر أو الشام لمقر الخلافة بالمدينة. ومع هذا لم يقل عمر أنه يحمل المسؤولية لوالي العراق ولا لغيره. حين أحس من واليه على مصر تجاوزا أمره بإرسال ما جناه من أموال نتيجة ولايته لبيت المال قائلا قولته الشهيرة( أرسلناكم ولاة لا تجارا) . وقال في آخر (أبت الدراهم إلا أن تمد أعناقها) حين اكتشف أنه يقوم ببناء قصر  من أموال جناها بغير وجه حق فأمر بمصادرته . وعاقب آخر لأنه أهان (مواطنا) وأطلق صرخته الشهيرة : ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا). فأين نحن من عمر وعدل عمر وحزم عمر.
رئيس جمهورية منتخب وليس ملكا متوجا :
هناك توجه عام لاعتبار الرئيس بوتفليقة بمثابة ملك . لا يجوز انتقاده ولا التعقيب على سياساته. خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه . صورته حاضرة دائما للتبرك بها في الاجتماعات و المؤتمرات وحتى في الحملات الانتخابية . رغم أنه رئيس جمهورية وصل إلى منصبه عن طريق الانتخابات خاض خلالها حملات انتخابية وطاف بولايات الوطن وشرح برنامجه الذي على أساسه زكاه البعض ورفضه البعض . انتخابات تعددية شارك فيها جنبا إلى جنب مع مرشحين آخرين وكان من الممكن أن ينهزم فيها (طبعا بغض النظر عن مصداقيتها ونزاهتها). وبالتالي فهو يشغل منصب رئيس الجمهورية وفقط . ليس زعيما ملهما ولا قائدا فذا وفق منطق السبعينات البائد ومنطق الجملوكيات العربية البائدة والتي في الطريق إلى الإبادة. بل رئيس جمهورية منتخب لينفذ البرنامج الذي انتخب من أجله . لا أكثر ولا أقل !
أحداث ملعب سعيدة :
جاءت الأحداث التي عرفتها نهاية مقابلة مولودية سعيدة باتحاد العاصمة لتضع الجميع أمام الصورة الحقيقية دون مساحيق ولا مكياج وهي أن الملاعب الجزائرية صارت تشكل خطرا على النظام العام و السكينة العامة. وصار روادها في الغالب من حثالة المجتمع ( في الحقيقة هم ضحايا ) من المخمورين ومتعاطي المخدرات. أهازيجهم شتائم وأغانيهم كلام فاحش . جاءت الأحداث لترد نوعا ما على القائلين أننا لا نريد في الجزائر فوضى شبيهة بحال تونس ومصر وليبيا . وإن كان من يردد هذا القول يستغبي نفسه ويستغبي مستمعيه وكأن الجزائر لا تعيش حالة فوضى وانفلات كبيرين ، فمن يريد السكن يقطع الطريق . ومن انقطعت عنه الكهرباء يقطع حركة المرور. ومن رسب في الامتحانات يقوم باضرام النار وقطع الطريق. صار السفر و التنقل من ولاية لأخرى يتطلب من الشخص التزود بمنظار لاستكشاف الطريق أمامه ليرى إن كانت الطريق مؤمنة أو أن هناك سحب دخان العجلات المحروقة. وعليه التزود بخريطة وبوصلة حتى لا يتيه حين يغير مسلكه ليتمكن من الوصول لوجهته. اضطرابات وقطع طرقات شبه يومية. وإضرابات في كافة القطاعات من التعليم إلى الصحة مرورا بالعدالة والبلديات…
وبالعودة لأحداث ملعب سعيدة فمن يتحمل جزء من المسؤولية هم رجال الأمن و الشرطة ، لأنه في كل ملاعب العالم يكون المكلفون بالأمن من رجال شرطة ومنظمين مكلفين بحفظ الأمن ومراقبة الجماهير. عكس رجال الأمن و الشرطة في الملاعب الجزائرية الذين يحضرون بدورهم لمشاهدة المباريات ليس إلا. ولا يتدخلون إلا وقد وقعت الفأس في الرأس وهاجت الجماهير واشتعلت النيران.
أختم بهذه النكتة :
من بين الأحزاب التي ظهرت بعد اعتماد وزارة الداخلية لكم هائل من الأحزاب دفعة واحدة( أو على ثلاث دفعات!) حزب اسمه حزب الحرية و العدالة يرأسه شخص اسمه بلعيد محند أوسعيذ. ولمن لا يعرف هذا الشخص فقد كان من المترشحين في رئاسيات 2009. لكن الغريب و العجيب أنه ترشح باسم محمد السعيد . وهنا يطرح تساؤل مضحك نوعا ما : ما هو الاسم الصحيح لهذا الشخص ؟ إن كان اسمه الحقيقي هو الاسم الذي أسس به حزبه الجديد فتخيلوا معي وعلى افتراض أنه قرر الناخبون الحقيقيون ( وليس الغاشي طبعا) إحداث مفاجأة مدوية وتزكيته وجعله يفوز بتلك الانتخابات ، فهل يكون على رأس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية رئيس جمهورية باسم مزيف ؟ ! أما لو كان ذلك هو اسمه الحقيقي فتخيلوا معي دائما لو أن الناخبين الحقيقيين ( وطبعا ليس الغاشي ) أعطوا هذا الحزب الأغلبية البرلمانية. فهل ستكون الجزائر تحت رحمة أغلبية برلمانية يقودها شخص باسم مزيف ؟! الصورة و إن كانت كاريكاتورية لكني سأجتهد لأوضح ما أعتقد أنه سبب هذين الاسمين لنفس الشخص : في رئاسيات 2009 التي عرف الجميع أنها مغلقة و محسومة لفائدة الرئيس المترشح تمت مقاطعتها مما يسمى بالتيار الإسلامي وشخصياته المعروفة . لم يشارك عبد الله جاب الله . وزكى أبو جرة سلطاني الرئيس لعهدة ثالثة . ولو أنه قد شارك جهيد يونسي عن حركة الاصلاح التي أزاحت جاب الله من قيادتها. لذا تم الاستنجاد بهذا ال( بلعيد محند أوسعيذ) كمرشح ممثل لما يسمى الإسلاميين كونه مقرب من الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي المصنف ضمن خانة هذا التيار. فرفع شعار الثورة البرتقالية تشبها بالثورة البرتقالية في أوكرانيا. لكنه حصد المرتبة الأخيرة لكن المجلس الدستوري عدل النتائج ودحرج المترشح علي فوزي رباعين للمرتبة الأخيرة عقابا له على طول لسانه. فكان استعمال اسم (محمد السعيد) أنسب للترشح باسم الإسلاميين وأكثر بريقا وجاذبية. لكن في تشريعيات 2012 تغير الوضع و التيار الإسلامي متواجد بقوة ولا  حظّ للمسكين  في اقتسام الكعكة. والذين استنجدوا به في رئاسيات 2009 لتمثيل الإسلاميين وإعطاء مصداقية للانتخابات لا حاجة لهم به الآن فجاب الله أسس حزبا جديدا ودخل المعترك الانتخابي من موقع قوة. وأبو جرة سلطاني دخل في تكتل مع النهضة و الإصلاح وخرج من التحالف الرئاسي. ومناصرة أسس حزبا خرج به عن حركة حمس ويريد له موقعا ويجري الترويج له وتجميل صورته كبديل مقبول داخليا و خارجيا.  لذا كان لا بد من لعب ورقة أخرى هي ورقة منطقة القبائل خصوصا بعد مقاطعة حزب الأرسيدي. واسم (بلعيد محند أوسعيذ) يفي بالغرض وقد يدغدغ عواطف بعض سكان القبائل  وينجح في لفت انتباه بعضهم .. هذا ما يعرف بالانتخابات على الطريقة الجزائرية …. ولله في خلقه شؤون !!!!

الإنتخابات التشريعية الجزائرية…الحملة على الأبواب


كتبهاعلي الجزائري الجزائري ، في 20 مارس 2012 الساعة: 15:37 م

ستنطلق الحملة الانتخابية رسميا يوم 15 أفريل لتستمر لغاية السادس ماي 2012. لكنها انطلقت بصفة غير رسمية وربما غير قانونية منذ فترة حيث قام رؤساء الأحزاب بتنشيط تجمعات وطافوا خلالها بالعديد من ولايات الوطن لشرح برامجهم وتزكية أنفسهم وتشكيلاتهم في انتظار اليوم الموعود: العاشر ماي، اليوم الذي وصفه الرئيس بوتفليقة في خطابه عشية الاحتفال بالذكرى المزدوجة لتأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين وتأميم المحروقات وفي الخطاب الذي القاه في أرزيو بوهران بأول نوفمبر جديد. أول نوفمبر 1954 الذي قرر فيه الجزائريون أن ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة وأشعلوا الثورة التحريرية لطرد المحتل الفرنسي. وصف قصد به الرئيس شيئا واحدا حسب اعتقادي وهو اعتبار مقاطعي هذا الموعد الانتخابي حركى وخونة ووضعهم في نفس الكفة مع المتخلفين عن ركب الثورة وحتى مع المعادين لها. هذا الوصف التهديدي التخويفي الذي يراد به دفع الجزائريين للمشاركة بقوة ورغم انفهم ورفع نسبة المشاركة للتباهي بها أمام الخارج ليس إلا لأن الجميع يعرف سواء المتحمس للانتخابات أو الرافض لها أو الغير مبالي أو المتردد ، الجميع في قرارة نفسه يعرف أنها لن تقدم ولن تؤخر في شيء ولن تغير شيئا في الواقع اليومي للجزائريين سوى كونها دعوة لترقية 462 محظوظا اجتماعيا وتمتيعه براتب عالي وحصانة برلمانية ونفوذ وجاه وسمعة تمكنه في أبسط شيء أن ينال تحية ويوصف ب(حضارات) عند حواجز الأمن؟!
أما عن الانتخابات فالسؤال الوجيه و البسيط المطروح : هل سيكون من حق التشكيلة السياسية أو التيار الفائز تنفيذ برنامجه الذي انتخب من أجله ؟ التجربة الغير بعيدة ومنذ سنة 1999 تقول أن الجميع أصبح ملزما فقط بتنفيذ برنامج رئيس الجمهورية. ورئيس الجمهورية هو الكل في الكل يتمتع بالسلطة المطلقة والصلاحيات الكاملة. طالب بألا يكون ثلاثة أرباع رئيس ليس لكي لا تنازعه جهة أخرى(المؤسسة العسكرية تحديدا) في صلاحياته الدستورية. لكن كي يشرف على كل شيء ويقرر في كل شيء متجاوزا حتى صلاحيات بقية المؤسسات. التجربة الغير بعيدة تقول أن حكومة الرئيس الأولى حكومة أحمد بن بيتور لم تكن صاحبة الأغلبية البرلمانية التي كانت بحوزة الأرندي. وحكومة خلفه  الأفلاني علي بن فليس كذلك .وحين استعادت جبهة التحرير الاغلبية في تشريعيات 2002 اقيل بعدها امينها العام بن فليس حين قرر الترشح للرئاسيات وليس دعم التمديد لبوتفليقة خلفه أحمد أويحي رغم أن التجمع الوطني الديمقراطي لم يكن يحوز أكثر من 48 مقعد مقابل 199 لجبهة التحرير. وبعد تشريعيات 2007 عاد أويحي مرة أخرى ليخلف أمين عام الأفلان عبد العزيز بلخادم  على رأس الحكومة رغم أن جبهة التحرير  كانت صاحبة الأغلبية. أما عن تشكيلة الحكومة فحدث ولا حرج: فالوزارات السيادية عادت لشخصيات مستقلة لا تنتمي لأي تشكيلة حزبية عينها الرئيس دون العودة للتشكيلة صاحبة الأغلبية. في حكومته الأولى ولى وزارات الاقتصاد لثلاثي أتى به من الهيئات المالية الدولية يعيشون خارج الجزائر وعائلاتهم مستقرة بعيدا عن الجزائر ويحملون جنسيات ثانية بعد الجزائرية وهم شكيب خليل وحميد طمار وعبد اللطيف بن أشنهو. وأسند وزارة الداخلية لجنرال متقاعد تولى رئاسة جهاز الأمن العسكري في فترة سابقة هو نور الدين يزيد زرهوني. بعد فترة أبعد  أشنهو بعد خلافه معه حول صيغة تسديد الديون دون العودة لا للبرلمان ولا لحزب الأغلبية. عين وعزل وعين وأقال عدد لا يحصى لوزارة الإعلام ولم يكن لا للبرلمان ولا لحزب الأغلبية رأي أو قرار. بعد تفجر فضيحة سوناطراك مؤخرا أبعد شكيب خليل عن وزارة الطاقة بعدما عاث فيها فسادا وحول بقرة الجزائر الحلوب لبقرة العالم الحلوب وأصبحت الجزائر في نظر العالم مصد استرزاق و(دار خالي موح كول وروح) إذ بعد فضيحة شركة (براون روث آند كوندور) فرع شركة هاليبرتون بالجزائر و المملوكة لديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش والتي حققت له أرباحا خيالية على حين غفلة أو حتى بتواطؤ. هاهي شركة أمريكية أخرى هي (أنداركو) تحوز على الجمل بما حمل وتنال تعويضا قدره 4.4 مليار دولار.مبلغ ضخم يعادل ميزانية عدة دول مجتمعة. في انتظار بقية المنتظرين في الطابور : ( ايني) الايطالية . وربما (توتال) الفرنسية. و ( بريتيش بتروليوم ) البريطانية. وشركات روسية وصينية تنتظر نصيبها من الكعكة الجزائرية ومن (المال السايب أو المال بلا راعي ). فأين البرلمان ؟ البرلمان وأحزاب الأغلبية هي التي صوتت على قوانين شكيب خليل في صيغتها الأولى أولا برفع الأيدي .ثم عاد نفس البرلمان ونفس الوجوه للمصادقة على نقيضه بعد سنة برفع الأيدي و ؟؟؟!! وطأطأة الرؤوس . فضيحة سوناطراك التي أدت بالوزير لمغادرة البلد لكن معززا مكرما سالما غانما أطاحت كذلك بالجنرال يزيد زرهوني من الداخلية حيث عوض بدحو ولد قابلية. من قدماء المالغ MALG  - وزارة التسليح و الاستعلامات العامة - التي أسسها الراحل عبد الحفيظ بوالصوف اثناء الثورة التحريرية. رجل حين يتحدث ويخاطب الناس تعرف أي منحدر بلغته الجزائر والحضيض الذي صارت تتخبط فيه . وطبعا هذا الوزير لا ينتمي لحزب الأغلبية. شأنه شأن وزير الخارجية مراد مدلسي الذي اعترف بلسانه أنه كان ينقصه الذكاء حين كان وزيرا للمالية ولهذا لم يتفطن لاحتيال بنك الخليفة الذي كبد الجزائر خسائر بمليارات الدولارات. ومع هذا عين ليقود الديبلوماسية الجزائرية ليتحدث باسم الجزائريين ويفاوض كبار العالم عن مصالح الجزائريين معتمدا في هذا على ذكائه الخارق! كل هذا  والبرلمان غائب والنواب نوام يتلقون رواتبهم العالية ويوسعون تجارتهم وأرباحهم . ويستدعون من حين لآخر لرفع أيديهم و ؟؟!! وحتى هذه المهة صارت شاقة عليهم فأصبحت جلساتهم العلنية حتى لمناقشة قوانين هامة كقانون المالية وحتى قوانين ما يسمى بالإصلاحات مجرد (قعدات ) يحضرها 15 أو عشرين (فارغ شغل ) من مجموع 389 (قافز و شاطر) مشغولين بالأهم. هذه الإصلاحات التي رفعت عدد المسجلين في كشف حضور هذه (القعدات) إلى 462 سيكبدون خزينة (البايلك) حوالي 14 مليار سنتيم شهريا.
أما عن التشكيلات الحزبية فالحديث عنها مثير ومؤثر: حزب انقسم لجناحين لأن أمينه العام السابق أراد أن يجعله حزبا وليس هيئة مساندة فطعن في قيادته بما يعرف بعدالة منتصف الليل ومازال منقسما لغاية اليوم. حزب ولد (بشلاغمو) يعترف أنه زور الانتخابات السابقة لصالحه لإنقاذ الجزائر ( من عبد الحميد مهري وحسين آيت أحمد!). حزب داخل الحكومة ينال امتيازاتها ومنافعها المادية و المعنوية لكنه خارج الحكم خرج مؤخرا عن التحالف لكنه بقي في الحكومة ومع هذا تحالف مع تشكيلة ( معارضة)انقسمت في فترة سابقة وصارت تشكيلتين ورغم أن سبب الانقسام زال وهو شخص رئيسها لكنها مصرة أن تبقى تشكيلتين بقيادتين! شخص أسس حزبا وحين نازعه أمينه العام في بعض الصلاحيات أسس حزبا آخر وحين ضاق رفاقه بديكتاتوريته طردوه فعاد مؤخرا لتشكيل حزب جديد اختار له تسمية يقصد من ورائها التشبه بالنموذج التركي و المصري ( في التسمية لا غير) من تصريحاته مؤخرا قوله أن الهيئة الناخبة مضخمة بنسبة 15% ! أي أن من مجموع 20 مليون ناخب هناك 4 ملايين ناخب وهمي سينتخب ويرجح كفة من يراد له الفوز ومع هذا يدعو للتوجه بقوة للانتخابات ويقدم نفسه بديلا ويطمع في الفوز ؟! ورغم تصريحه الخطير هذا لم يفتح تحقيق لا من البرلمان ولا من أي جهة للتحقق ولمحاسبته لو ثبت نشره معلومات مغلوطة لأنه يعرف أنه فقط يدغدغ عواطف النوايا ولأنهم يعرفون أنه مجرد (بيّاع كلام  ومجرد هدرة)؟! حزيبات ظهرت فجأة وأخرى تظهر عند الانتخابات فقط وتبيع الترشيحات ضمن قوائمها عبر صفحات الاشهار في الصحف دون خجل أو حياء . حزب ورغم أنه لم ينل شيئا سابقا بوجود رئيسه السابق النشيط و المعروف صاحب عبارة ( القروش) أي الأموال والذي انسحب بعدما ذاق حلاوة الوزارة لفترة سابقة ، يريد أن ينال شيئا برئيسه الحالي الذي يصر أنه ينفذ برنامج رئيس الجمهورية رغم أن رئيس الجمهورية ( ما سامعش بيه وما مقيّموش لا هو ولا حزبه  ولا كل الأحزاب التي تدعي مساندتها لبرنامجه) يدعي أنه يغرف من فكر مالك بن نبي البريء من شخصه وفكره وسلوكه وحزبه براءة الذئب من دم يوسف. من خرجاته الأخيرة تثمينه للكلمة المرتجلة التي خرج بها الرئيس بوتفليقة عن نص خطابه بمناسبة افتتاحه السنة القضائية حين قال متهكما أنه إن كانت الديمقراطية تعني الأحزاب الصغيرة فلتكن الأحزاب الصغيرة .لكن صاحبنا جعل منها نصرا وفتحا مبينا وفهم من هذا التهكم الواضح و الصريح من الرئيس بالأحزاب الصغيرة ومنها حزبه أن الرئيس رفع الغبن و التهميش عن الأحزاب الصغيرة ؟! هل رأيتم ؟؟؟ أكثر من هذا؟!
أما الأحزاب الكبيرة أي أحزاب التحالف السابق: هل تذكرون المصافحات والقبل و العناق الحار بين قادة التحالف سابقا؟ في حوار أجراه أمين عام الأفلان بلخادم مؤخرا مع إذاعة تيزي وزو وصف خروج حزب بوقرة( أبو جرة) سلطاني من التحالف باقلاع ذبابة من على نخلة ! ونفس الشيء مع أمين عام الأرندي أويحي التي لا يترك مناسبة الا وفتح النار فيها على لقاء سانت ايجيديو أو ما يعرف بعقد روما والتي كان بلخادم نفسه أبرز حضورها. ومع هذا حين كانوا يلتقون كانوا يتعانقون ويأكلون البقلاوة وقلب اللوز ويشربون القهوة و الشاي وحمود بوعلام معا على نخب بعضهم البعض . فعلا صدق من وصف حالتهم تلك بأنها مجرد تعالف وأبعد ما تكون عن التحالف !
بعد كل هذا بربكم هل يستوي هذا وما يراد من دفع الجزائريين عنوة للتصديق على هذا و المشاركة في هذا  مع ثورة نوفمبر 54 التي تعد واحدة من أعظم ثورات القرن العشرين بل من أعظم ثورات التاريخ؟!
حين يكون البرلمان برلمانا و الأحزاب أحزابا ويكون التنافس شريفا نزيها مفتوحا يفرز حزبا فائزا يتحمل مسؤولية تسيير الشأن العام ويتحمل مسؤولية هذا التسيير أمام من انتخبه. وحزب خاسر يمارس المعارضة والنقد. تتبعها انتخابات إن أحسنت التشكيلة الفائزة تكافئ بالتمديد لها وإن أخفقت تعاقب عبر الصندوق .حين يكون نمط الحكم واضحا سواء كان برلمانيا تقوم تشكيلة الأغلبية بتشكيل حكومة بمفردها أو ائتلافية . أو رئاسيا لكن على الطريقة الأمريكية أو حتى الإيرانية بحيث يكون الرئيس مسؤولا أمام البرلمان يعرض طاقمه ووزرائه على نواب الشعب للتصويت بتزكيتهم أو رفضهم سواء كان وزرائه من تشكيلة الأغلبية أو حتى مستقلين. حينها يجوز الحديث عن الإنتخابات . غير ذلك يبقى الحديث عن ضرورة المشاركة عبثا.وإن عد المقاطعون خونة فقد اعتبر محمد بوضياف وما أدراك ما محمد بوضياف في فترة من الفترات خائنا. واعتبر العقيد شعباني خائنا.ونفس الشيء لكريم بلقاسم ومحمد خيضر والطاهر زبيري.
عني أنا : حسمت أمري منذ فترة وهو أني لن أنتخب ولن أشارك في المهزلة .هذا رأيي وهذه قناعتي وهذا قراري السيد. لن أشارك ليس لأن التيار الفلاني أو الحزب العلاني دعا لعدم المشاركة. ولا لأن الشخصية الفلانية دعت للمقاطعة ولا بتأثير من الفضائية العلانية. لن أنتخب ليس لأن عباسي مدني وعلي بلحاج وجبهة الانقاذ دعوا للمقاطعة. ولا لكون سعيد سعدي والأرسيدي رفض المشاركة في الانتخابات. ولا لأن سيد احمد غزالي دعا للعزوف عن المشاركة . ولا لكون حركة رشاد دعت للعصيان الانتخابي . لن أشارك لأنه ببساطة لن يتغير شيء لا للأحسن ولا للأسوأ بل سيستمر الجمود و الركود إلى أن يقرر الله أمرا كان مفعولا. هذا رأيي وهذه قناعتي ( ولي ما عجبوش الحال يقدر يدزّ معاهم من هنا إلى رأس الرجاء الصالح …OK ).
أما التخويف من التدخل الأجنبي فلا أدري أين يمكن تصنيف ارسال وزير الخارجية صاحب الذكاء الخارق مراد مدلسي مرتين لواشنطن لعرض الاصلاحات على هيلاري كلينتون ونيل رضاها ومصادقتها على هذه الاصلاحات والتأشير عليها ثم استقبالها استقبال الفاتحين و الدعاية الرسمية الكبيرة المرافقة لهذه الزيارة ولتصريحاتها الداعمة للاصلاحات الموعودة؟ والتباهي بتأكيد المبعوثين الأجانب على مكانة ودور الجزائر-كشرطي لمصالحهم في المنطقة- ودعمهم لمسار الاصلاحات؟ ولا حتى استقبال وزير الداخلية لمسؤول مخابرات أمريكي رفيع ومناقشة موضوع الإصلاحات معه إضافة لمواضيع الأمن ومحاربة إرهاب القاعدة في الساحل ؟ بل إن الرئيس بوتفليقة المحسوب ضمن رجال الراحل هواري بومدين حتى أن الكثيرين يرون فيه امتدادا للحقبة البومدينية أرسل وزير خارجيته (عبقري زمانه) للمثول أمام لجنة الشؤون الخارجية للجمعية الوطنية الفرنسية والتعرض لما يشبه عملية استنطاق لتسويق هذه الاصلاحات( التي تفضل فخامته وبادر بها !). بل و التلذذ و الانتشاء بتصريحات المدح و الإطراء الفرنسية لسياساته واصلاحاته وترويجها والدعاية لها رغم أن الراحل بومدين له مقولة مشهورة تعبر عن مبدأ مهم في إدارة الشأن العام : ( حين أتعرض للانتقاد من طرف فرنسا أعرف أني أسير على الطريق الصحيح)؟؟ فأين هذا من ذاك ؟؟!!