كتبهاعلي الجزائري الجزائري ، في 24 فبراير 2012 الساعة: 15:31 م
في الذكرى المزدوجة لتأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين وتأميم المحروقات الموافقة ليوم الجمعة24 فيفري 2012 ووسط هرج ومرج وصراخ وعويل وأهازيج وهتافات شبيهة بتلك السائدة في ملاعب كرة القدم ألقى رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة خطابا بمدينة أرزيو بولاية وهران يوم الخميس 23 فيفري ووسط عمال قطاع بقرة الجزائر الحلوب ، القطاع الوحيد الذي يصنف عماله ضمن (اللاباس بيهم) اقتصاديا و اجتماعيا، القطاع الوحيد الذي عماله (يخلصو مليح) ألا هو قطاع المحروقات أو عمال شركة سوناطراك . هذه المناسبة التي تذكر الجزائريين بيوم أن قرر الشهيد عيسات إيدير رفقة ثلة من أبناء الجزائر تأسيس الإتحاد العام للعمال الجزائريين ذات ال24 من فيفري في يوم من أيام الاستعمار الفرنسي الكالحة ، تأسيس اتحاد للعمال لا لنيل الامتيازات ولا للمتاجرة بعرق الجزائريين وبيعه في سوق النخاسة السياسية. بل للمساهمة في الحركة التحررية وخوض الكفاح النقابي جنبا لجنب مع الكفاح المسلح و الكفاح الديبلوماسي ضد المستعمر الغاشم. استغل الرئيس بوتفليقة هذه المناسبة التاريخية ليسوق للإصلاحات التي يقولون أنه بادر بها بعد ما وصف بالخطاب التاريخي قبل حوالي سنة من اليوم وبالضبط يوم 15 أفريل الماضي ويدغدغ عواطف الجزائريين بخطاب مزج فيه بين الدين و التاريخ والثورة و الشهداء والتحذير من الخطر الأجنبي .خطاب دعا فيه الجزائريين للمشاركة بقوة فيما يسمى الانتخابات التشريعية المقررة يوم 10 ماي القادم. في هذا الخطاب الذي بدا فيه الرئيس بوتفليقة وقد استعاد لياقته وعاد لخطاباته الحماسية و الشعبوية التي ميزت عهدتيه الأولى و الثانية يمكن التوقف عند نقطتين:
النقطة الأولى هو محاولة الرئيس في خطابه المكتوب و المرتجل تحذير الجزائريين من خطر التدخل الأجنبي بالتأكيد أن الجزائر تعيش مرحلة حساسة للغاية من تاريخها وأن كل الأنظار في العالم مسلطة على الجزائر وأن على الجزائريين أن يشاركوا بكثافة وإلا فسوف تفقد الدولة مصداقيتها أمام العالم (مصداقية الجزائر في الميزان) وأن على الجزائريين أن يحسنوا الإختيار ليضمنوا مستقبلهم وإلا فسوف تغرق السفينة كما قال ! وأن هذه الإنتخابات فصل بين عهدين وعلى الجزائريين أن يغيروا (ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وأنه حان الأوان لتغيير الذهنيات وتغيير الأفكار، وأن مستقبل الجزائر بيد الشبيبة التي عليها المشاركة بقوة ناخبة ومنتخبة. وفي الأخير توعد كل من تسول له نفسه مخالفة القانون الذي يجب أن يحترمه الجميع .وهنا أعقب بما يلي: عن أي تدخل أجنبي يحذر الجزائريون منه: بعد خطاب (المبادرة) بالإصلاحات قبل سنة أرسل الرئيس وزير خارجيته مراد مدلسي (الذي اعترف أنه لم يكن ذكيا كفاية للتفطن لاحتيال الخليفة حين كان وزيرا للمالية ثم رقي لنقص ذكائه لقيادة الدبلوماسية الجزائرية والحديث باسم الجزائريين في المحافل الدولية والدفاع عن مصالحهم ومصالح دولتهم أمام كبار العالم) قلت أرسل وزير خارجيته إلى واشنطن لتسويق الإصلاحات الموعودة ونيل رضا الولايات الأمريكية عليها وقد حظي معالي الوزير باستقبال أعوان أمن كتابة الدولة والسكريتيرات وأعوان الرقن والمتصرفين الإداريين ورؤساء مصالح الوزارة ليحظى في الأخير بوقفة لبضع دقائق مع كاتبة الدولة هيلاري كلينتون التي أشّرت على ملف الإصلاحات بالقبول والرضا عنها وعن المصلحين. ثم عاد نفس الوزير الذكي وبعد مصادقة البرلمان على قوانين هاته الإصلاحات عاد وحزم حقائبه وحلق ذقنه وتعطر وحمل ملف الإصلاحات مرة أخرى إلى واشنطن وكالمرة السابقة مر بتلك المراحل قبل أن يحظى بوقفة خاطفة مع الشقراء حيث التقط معها صور تذكارية واعدة إياه بزيارة قريبة للجزائر. وبعد هذه النشوة بهذا الانتصار الديبلوماسي التاريخي عرج على فرنسا - نعم فرنسا مستعمر الأمس - ووقف ( أو بالأحرى جلس) بين نواب الجمعية الوطنية الفرنسية بين أعضاء لجنة الشؤون الخارجية حيث تعرض لاستنطاق شبه بوليسي وقد أبدى سعة بال مدهشة وهو يجيب على استفسارات النواب الفرنسيين وقد قال حينها جملته المشهورة أن الجزائر كانت فرنسية وحين وضعت لبنة الاتحاد الأوربي كانت حينها الجزائر أوربية ولو كان للتاريخ منحى آخر لكانت الجزائر اليوم أوروبية ( لو لم يتهور الجزائريون يوم الفاتح نوفمبر 1954 بسبب إذاعات الفتنة كإذاعة صوت العرب بالقاهرة رغم أنهم قاموا بثوراتهم في القرن 19 ولم يكونوا يحتاجون لدروس من فيتنام وتونس و المغرب!!) .بعد كل هذا من يفتح الباب للتدخل الأجنبي ؟ طبعا هذا الخطاب (خطاب التدخل الأجنبي) غير موجود في فرنسا مثلا وفي خطاب ساركوزي الأخير الذي قدم فيه هو الآخر حزمة إصلاحات طمعا في عهدة ثانية لم يحذر الفرنسيين من التدخلات الأجنبية ففرنسا كانت فاعلا وقررت أن تبقى فاعلا مهما في العالم عكس من يريد أن يبقى مفعولا به إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .كما و لم يرسل آلان جوبي ليشرح لبرلماننا ولا للكونجرس الأمريكي ولا لمجلس العموم البريطاني فحوى هذه الإصلاحات.
أما التأكيد أن الجزائر تمر بمرحلة حساسة فأين خطابات من قبيل أن الجزائر استعادت عافيتها وأن الجزائر بعد نجاح إصلاحاتها الاقتصادية( نسبة الصادرات خارج المحروقات لم تتغير: أقل من 3% رغم تعاقب البرامج وضخ الملايير من الريوع ) باشرت إصلاحات سياسية بناءة وجادة وشاملة كاملة وغير هذا من الكلام المعسول إن كان كل هذا أدى إلى مرور الجزائر بمرحلة حساسة قد تنجو منها وقد لا تنجو؟!
أما فقدان المصداقية فقد فقدت أولا حين تم التلاعب بالدستور لتغيير مادة كانت تمنع الخلود في العرش . ثم ضاعت هذه المصداقية حين راحت الديبلوماسية الجزائرية تتخبط ومازالت حين لم تبد موقفا مما يحدث في تونس ثم بعد سنة راح رئيسها يشاركهم الإحتفال بما سماه بالثورة التونسية رغم أنها أسقطت صديقه كما وصفه بعد أحداث صفاقص سنة 2004. ومعلمه وملهمه حين عبر قبلا عن إعجابه بالنمط الرئاسي التونسي الصارم. ثم تمرغت المصداقية في الوحل حين بدا للعالم ولليبيين أن الجزائر تدعم الراحل القذافي ضد شعبه الذي انتفض ضده. (وربحت العيب مع الليبيين بسبب اللاموقف لأني لا أعتقد أنها دعمت القذافي حقا) وراح (بلخادمها) بصفته أمينا عاما للحزب الحاكم(صوريا) وممثلا شخصيا للرئيس يتهكم من قادة ليبيا الجدد وقوله المأثور(أو السخيف) عن ضرورة الوضوء قبل التفوه بالجزائر. لكنها قامت بعد سنة على تهنئة الليبيين وبواسطة برقية تهنئة رئاسية بمناسبة مرور سنة على اندلاع ما أسمته البرقية بالثورة الليبية. لتتراجع عن كل المواقف السابقة الرافضة للتدخل الأجنبي (والذي كانت مساهمته حاسمة في نجاح هذه الثورة التي ترسل برقية تهنئة اليوم بنجاحها؟؟!!). ونفس الشيء يتكرر في سوريا إذ يلاحظ من خلال نشرة الأخبار الرسمية للتلفزيون الجزائري تبني الجزائر لوجهة نظر النظام السوري لتقوم بعد لحاقه بسابقيه بتهنئة السوريين بنجاح ثورتهم ! وأخيرا جاءت الثلوج الأخيرة لتقضي على هذه المصداقية حين قطعت أوصال البلاد شرقا وغربا وكانت صور المواطنين الجزائريين في الفضائيات ومواقع الانترنت وهم يشكلون طوابير امتدت لمئات الأمتار للظفر بقارورة غاز كفيلة بجعل مصداقية دولة الغاز هباءا منثورا.
أما القول أنه حان الأوان لتغيير الذهنيات فلا أدري ماهو مقياس هذا الأوان ؟لأني سمعت هذا المصطلح سنة 1999 وسنة 2000 وسنة 2001 وخاصة سنة 2004 وأكثر سنة 2009 ؟ يعني أن الأوان في الجزائر يستغرق عشرية وأكثر . وهو نفس ما نسمعه كذلك وقد مللنا سماعه من أنه حان الأوان لتخلص الجزائر من التبعية للمحروقات وحان الأوان لتسليم المشعل للشبيبة . هذه الشبيبة التي قال عنها الرئيس أنها مستقبل الجزائر. لكن بالإطلاع على عمره هو أولا، ثم أعمار وزرائه وبطانته وحواشيه سوف تظهر جدية هذا الكلام ؟!
أما احترام القانون فالسؤال البسيط الذي يتبادر للذهن : كون الدستور هو القانون الأسمى وهذا الدستور الذي يقسم على احترامه يؤكد وفي أمر بسيط سلس أن رئيس المجلس الدستوري يتولى مهامه في عهدة من 6 سنوات غير قابلة للتمديد والكل يعرف أن عهدة رئيس المجلس انتهت منذ أشهر ومددت ضمنيا فكيف لا يحترم أمر بسيط تافه كهذا وننتظر احترام البقية ؟ هنا تبدو بصفة واضحة الجدية في احترام القانون !
أما النقطة الثانية فهي تخص الحضور:أجد أنه من العار أن يكون الجزائري بتلك الصورة الكرنفالية . الجزائري الشامخ يبدو بتلك الصورة الكاريكاتورية ( وإن لم تحسنوا الاختيار ستغرق السفينة) وتنفجر القاعة بالتصفيق و الزغاريد؟ بالله عليكم هل هذا الفأل السيء يستحق أن يصفق عليه؟ يمكن تفهم التصفيق على الدعوة للمشاركة بقوة والتصفيق للتأكيد على السهر على نزاهة الانتخاب .لكن هل التصفيق على هذه الجملة في محله؟ لا أرى أن الأمر يختلف عن ذلك المغني الذي راح يردد ( هاجو لبنات راهم صابو لا ليبرتي) والبنات يرقصن ويصرخن دون الانتباه أنهن يشتمن ! والأدهى أن الرئيس بدا مستمتعا بالتصفيق الكرنفالي الفلكلوري بل راح يدعو مرات عديدة للتصفيق من خلال ترديده لبعض الجمل 3 مرات حتى ينتبه الحضور ليندفعوا في تصفيقاتهم وزغاريدهم. هذه الصورة أعقب عليها بأمرين : الأول أين المصفقين للراحل صدام حسين وأين مليونيات المرحوم القذافي وأين المطبلين المهللين لحسني مبارك وأين المداحين لزين العابدين بن علي ؟؟؟ لا يغرنكم كل هذا لأن السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه .
أما التعقيب الثاني فقد ورد في كتب السيرة أن الخليفة الثاني الصحابي الجليل أحد العشرة المبشرين بالجنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجد يرتدي ثيابا رثة وهو يحمل أكياسا على ظهره وهو أمير المؤمنين وخليفة المسلمين شرقا وغربا . وحين سئل عن الأمر قال أنه استقبل وفودا فأحس أن في نفسه عزة وخشي من الكبر فأراد أن يذلّها فقام بما قام به . فأين نحن من عمر؟ ونحن نسمع في هذا الفلكلور من زعيم بقايا العمال أن العمال مدينون لفخامته ويعترفون بجميله ويتوجهون اليه بالعرفان وكأنهم من القن في قلاع نبلاء اروربا في القرون الوسطى تكرم عليهم سيدهم وبالتالي هم مدينون له ؟ أين نتجه ؟ كل هذا الاستهتار والرئيس مغتبط بما يسمع دون أن يبدو عليه الحرج مما يسمع؟! فعلا أين نحن من عمر ؟
في فليم (معركة الجزائر) وفي نهاية الفيلم عند مشاهد مظاهرات 11 ديسمبر1960 وفي اليوم الأخير للمظاهرات ووسط جموع الشرطة وسحب الدخان تقدم شرطي من المتظاهرين طالبا منهم التوقف عن التظاهر والعودة لبيوتهم سائلا إياهم: ( ماذا تريدون) ؟ ووسط الدخان يتعالى صوت متظاهر جزائري مخترقا عنان السماء : الإســتـــقــــلال . باغيين (نريد ) الحرية ، وتتعالى الأصوات : أصوات رجال الجزائر وحرائر الجزائر : تــــحـــيــــا الجزائر . هكذا كان الجزائريون أيام المحنة الكبرى أيام الاحتلال الفرنسي . لكن دولة الاستقلال أنتجت جيلا ممسوخا . جيلا صار نشيده الوطني وأغنيته الوطنية و التي ترددت بقوة في خطاب الرئيس الأخير و قد بدا مستمتعا بها:(ون تو ثري فيفا لالجيري) . فرق كما بين السماء والأرض كيف رد الجزائريون على مستعمرهم بالأمس بتحيا الجزائر ونجحوا في مهمتهم وحرروا الجزائر . وكيف تحولت الجزائر اليوم إلى لالجيري ونحن نردد كرجل واحد ما صار شعارا بل نشيدا وطنيا : ون تو ثري فيفا لالجيري. فهل نجحنا في شيء ؟؟!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق