كتبهاعلي الجزائري الجزائري ، في 11 فبراير 2012 الساعة: 11:52 ص
توجه رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة يوم الخميس 9 فيفري 2012 مساءا بخطاب متلفز للأمة يدعو فيه الهيئة الانتخابية للتوجه لصناديق الاقتراع لاختيار أعضاء المجلس الشعبي الوطني في الانتخابات التشريعية التي حدد تاريخ اجرائها يوم الخميس 10 ماي 2012. و قبل 3 أشهر من موعد الاقتراع ظهر الرئيس بوتفليقة بعد غياب طويل على شاشة التلفاز (ظهر قبل الخطاب بثلاثة أيام مستقبلا مبعوث الرئيس المالي وقبل الخطاب بيومين حين ترأس مجلس الوزراء).استهل خطابه بتذكير نفسه ومستمعيه بالوعود التي قطعها للشعب الجزائري في خطابه ليوم 15 أفريل 2011 بالقيام بإصلاحات عميقة تكرس الديمقراطية (وتعيد ) بناء الدولة الجزائرية (لم انتبه إن كان هو من استعمل مصطلح إعادة بناء الدولة الجزائرية أم مجرد اجتهاد من صحفية اليتيمة التي حاولت شرح الخطاب لقليلي الفهم بطريقة الفكرة العامة و الأفكار الأساسية في دروس القراءة في الابتدائي !).ثم عرج الرئيس على مختلف القوانين التي صادق عليها البرلمان(بحضور أعضاء يعدون على أصابع اليد!) من قانون الأحزاب وقانون الانتخاب وحالات التنافي مع العهدة وترقية مشاركة المرأة.ليدعو في الأخير المواطنين للقيام بحقهم وواجبهم الانتخابي.والأحزاب للرقي في طرحها وبرامجها . والإدارة للسهر على نجاح العملية وضمان شفافيتها.
أتسائل دائما : ما هي فائدة الانتخابات التشريعية في الجزائر؟ ما جدوى العملية وما فائدة وجود البرلمان أصلا؟
لو تعلق الأمر بالانتخابات الرئاسية ورغم أن نتائجها تكون دائما محسومة والفائز معروف مسبقا في كل الرئاسيات التعددية التي عرفتها الجزائر، ومع هذا يمكن تفهم الداعين للمشاركة وبقوة لأن الأمر يتعلق بمنصب رئيس الجمهورية المسؤول عن الجزائريين وأمنهم وأرزاقهم و ممثلهم والناطق باسمهم في المحافل الدولية.ومن الواجب أن يمارس مهامه من موقع القوة التي تمنحها إياه مشاركة شعبية واسعة ( حقيقية أو مصطنعة) .
ولو تعلق الأمر بالانتخابات البلدية (حتى الولائية لا أرى جدوى لتنظيمها لأن صاحب الصلاحيات المطلقة هو الوالي المعين وليس المجلس المنتخب) كذلك يمكن تفهم الداعين للمشاركة وبقوة لأنه لا بد من اختيار رئيس وأعضاء المجالس البلدية لتسيير شؤونها اليومية أو على الأقل إمضاء وثائق الحالة المدنية.
أما البرلمان فما هي جدواه غير استهلاك المال العام في مسرحية الانتخابات أولا ، ثم في صرف رواتب وطعام وشراب ونوم وسفر و(..) النواب!
في مجلس الوزراء الأخير قرر السادة المجتمعون رفع عدد مقاعد البرلمان إلى 462 مقعد بعدما كان لا يتجاوز 389 مقعدا أي بزيادة 73مقعدا دفعة واحدة ! وهي زيادة كبيرة وغير منطقية وغير معقولة تجعل البرلمان الجزائري يقترب من حيث عدد نوابه من برلماني تركيا ومصر مثلا مع أن البلدين يحصيان أكثر من 70 مليون نسمة وأكثر من 80 مليون نسمة على التوالي مع اقل من 40 مليون نسمة بالنسبة للجزائر! فما هو المعيار المعتمد لتبرير هذه الزيادة؟ بعملية حسابية بسيطة باعتماد راتب متوسط للنائب يقدر ب 30 مليون سنتيم (رئيس المجلس ورؤساء الكتل ورؤساء اللجان يتمتعون بمنح إضافية) نجد أن البرلمان القادم سيستهلك شهريا باحتساب رواتب النواب فقط 13مليار و 860 مليون سنتيم ! حوالي 14 مليار سنتيم سيستهلكها البرلمان القادم شهريا من أجل ماذا؟ لو سألت أي مواطن في طول الجزائر وعرضها سيجيب دون تردد : لا شيء! أولا أكثر من 80% لا يحضرون أغلب الجلسات وبالتالي ينالون 30 مليون دون حتى الحضور للاستماع فقط حتى لا أقول المناقشة . ومن يحضر تنزل عليه القوانين وتتلى عليه فيرفع يده مصوتا لصالحها. (وقد صوتوا للقانون وضده عند تعديل قانون المحروقات وهذا باسم الوطنية وتنفيذ برنامج فخامة الرئيس و تعميق الإصلاحات الاقتصادية ثم بعد أن انتبه الرئيس بعد أقل من سنة أن قانونه خطر على ثروات الجزائر المهددة بالاستنزاف طرح قانونا مناقضا له وطبعا صوت نفس النواب وفي نفس العهدة البرلمانية لصالحه ودائما باسم الوطنية وتنفيذ برنامج فخامة الرئيس والحفاظ على ثروة الأجيال القادمة!). وبعد هذا يقتطع من ميزانية الدولة ومن أرزاق الجزائريين وقوت أطفالهم 14 مليار سنتيم كل شهر لدفع رواتب هؤلاء! أرأيتم حجم العبث ؟!
وهناك موضوع آخر :إن كان الرئيس هو من يتمتع بصلاحية اختيار الوزير الأول وقد وضع ثقته في شخص أحمد أويحي الأمين العام للأرندي وهو ليس صاحب الأغلبية فما هي فائدة التنافس والفوز إن كان الفائز لا يحق له تشكيل الحكومة وتنفيذ برنامجه الذي انتخبه عليه الشعب ومنحه الأغلبية مادام رئيس الجمهورية من يختار الوزير الأول ، والوزارات الهامة وزرائها غير متحزبين أي غير منتخبين وغير أعضاء في الأحزاب الفائزة( وزير الداخلية السابق زرهوني و الحالي ولد قابلية، وزير الطاقة السابق شكيب خليل و الحالي يوسف يوسفي، وزير الخارجية الحالي مدلسي و السابق بجاوي و السابق يوسفي - ماعدا بلخادم في فترة وجيزة - وزير المالية الحالي جودي و السابق مدلسي و السابق بن أشنهو ، حميد طمار وزير التخطيط ووزير ترقية الاستثمارات سابقا) إن كان الرئيس يعتمد لتنفيذ سياساته في الوزارات المهمة على وزراء مستقلين غير منتمين للأحزاب الفائزة، فما فائدة الفوز أصلا في هذه الانتخابات إن كان أحزاب التحالف لا ينالون إلا فتات الوزارات التي بإمكانها السير بهم أو بدونهم؟
فما الفائدة إذن من العملية ومن المؤسسة في حد ذاتها؟ كان على الداعين للانتخابات التشريعية سواء عن طريق استدعاء الهيئة الناخبة بخطاب أو الداعين لها برسائل sms أن يكونوا صرحاء ويتحدثوا بصراحة عما يعرفه العام و الخاص: قوموا بتزكية 462 شخص محظوظ يتمتع خلال فترة نيابته بامتيازات واسعة من الراتب العالي إلى الحصانة البرلمانية لأنه إن كان همّ بعض الجياع هو الراتب المغري فإن همّ فريق آخر هو حماية نفسه بالحصانة التي توفرها له النيابة للتوسع في مشاريعه وتوسيع تجارته ف ال30 مليون التي يتقاضاها شهريا لا تعني له شيئا فبإمكانه أن ينفقها في تبريحة أو رشقة واحدة في واحدة من ليالي الأفراح و الليالي الملاح. أما السلطات فتكتفي بالتباهي أمام العالم الخارجي بهذه المؤسسة (التي لا تتمتع بأي صلاحية عدا ما توفره من هامش للبعض لممارسة تشراك الفم ) وهذا كمؤشر على وجود حياة نيابية وديمقراطية .
قال الرئيس في خطابه الأخير بمناسبة استدعاء الهيئة الانتخابية أن البرلمان القادم مكلف بمواصلة مسيرة الإصلاحات التي يعتبر تعديل الدستور أهم مرحلة فيها . وهنا يطرح تساؤل:ماذا مثلا لو جرت انتخابات نزيهة وفازت بها أحزاب جاب الله وحنون ومناصرة وآيت أحمد( لو قرر المشاركة) وسعدي .ومني الأفلان والأرندي بالهزيمة . هل سيرضى الممسكون بزمام الأمور في الجزائر أيا كان موقعهم في رئاسة الجمهورية أو في المؤسسة العسكرية بمختلف أسلحتها وأجهزتها ومديرياتها هل سيرضون بتعديل دستوري تقرره هذه الأغلبية الفائزة ؟ هل سيقبلون بدستور يقوم نواب جاب الله وآيت أحمد بصياغته ؟الأمر فيه نظر!
يتردد في وسائل الإعلام هذه الأيام أن هاجس المشاركة يؤرق السلطات قبيل الموعد الموعود. ومن المفارقات أن نفس الكلام كان ردد قبيل رئاسيات 2009 لتفاجئ نسبة المشاركة الجميع حين تعدت ال72% (حقيقية أو مصطنعة لا يمكنني الحكم). وهو نفس ما يتكرر هذه الأيام ونحن في اعتقادي أمام سيناريوهين :
1-أن تكون نسبة المشاركة مرتفعة عكس التوقعات ما يشكل ضربة أخرى لتحليلات وسائل الإعلام وبالتالي إفقادها ما تبقى لها من مصداقية. وسنسمع حينها عبارات عن عظمة الشعب الجزائري وكيف فوت الفرصة على المتربصين بالجزائر وهواة زرع التشكيك وتعفين الأمور وبقية المصطلحات التي يجيدها ميلود شرفي ومن على شاكلته جيدا!
2-هناك توجه حقيقي ( لدى جناح في السلطة ) لتكون نسبة المشاركة جد متدنية تشكل صدمة حقيقية تدفع لإعادة النظر في العملية من أساسها بما فيها جدوى الطبقة السياسية الحالية وطبيعة عمل المؤسسات القائمة وجدوى الدستور الحالي برمته وقلب الأمور رأسا على عقب مستغلا صدمة المقاطعة الواسعة . وهذا الأمر وإن يبدو من وجهة نظري سيناريو مقبول لكن يتوقف الأمر على ما بعده ! أي كيفية إعادة تصحيح الوضع القائم والانطلاق نحو إصلاح جدي جذري حقيقي (سياسي على الأقل )وألا يعدو الأمر عن كونه حق يراد به باطل .
عن التقلبات الجوية الأخيرة:
سيتذكر الكثير من الجزائريين كيف بدت السلطات مركزية ومحلية عاجزة أمام ما خلفته الثلوج الأخيرة التي ضربت أغلب مناطق الوطن . وكيف تدخل الجيش الوطني الشعبي للقيام بمهام من المفروض هي من صميم مهام الجماعات المحلية من فتح الطرقات وإيصال المعونات للعائلات المحاصرة المنكوبة. وكيف عجزت دولة الغاز والنفط عن ربط أغلب المناطق بشبكة الغاز فضلا عن إيصال قارورات غاز البوتان في هذا الظرف الطارئ. وكيف أظهرت طوابير البحث عن قارورة غاز أن مهرجانات توصيل شبكات الغاز للتجمعات السكانية باشراف الوزير الفلاني أو العلاني لا يعدو أن يكون شطحة من شطحات اليتيمة ونشراتها الإخبارية.وكيف عجزت هذه السلطات عن إيصال المازوت للمناطق المعزولة في هذا الظرف الاستثنائي الذي أغلقت فيه الطرقات بثلوج تجاوز سمكها المترين . وكيف بدت الدولة بمؤسساتها عاجزة عن وضع حد لمضاربين ليسوا إلا مجرد مالكي شاحنات رفعوا أسعار قارورات الغاز لأسعار قياسية و فرضوا منطقهم وسعرهم والدولة تتفرج . سيتذكر الجزائريون أنه لولا تدخل الجيش الوطني الشعبي لمواجهة مخلفات الكارثة (الطبيعية) والقيام بمهام (الجماعات المحلية ) لكان وقعها أفظع وأشد .
وبالعودة للتشريعيات القادمة تبدو الأمور غامضة منذرة بعواصف لا تقل عن العواصف الجوية التي ضربت الجزائر مؤخرا. لا الظروف الدولية المتغيرة تسمح بما كانت تسمح به سابقا. ولا الطبقة السياسية بعدما حدث في دول الجوار مستعدة للسكوت عما ألفت السكوت عنه. ولا مزاج الناس يسمح لهم بتحمل المزيد . وما يزيد الطين بلة غياب مسؤولين يتحملون المسؤولية ويكفوا عن العبث واللعب ويراعوا الأمانة حق رعايتها . في السنة ال50 لاستعادة الحرية تغير الكثير، وسيتغير الكثير . ولكن كيف وأين ؟ ( اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه ).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق