كتبهاعلي الجزائري الجزائري ، في 24 سبتمبر 2011 الساعة: 13:18 م
شهدت الجزائر بعد 50 سنة من استعادة حريتها تداول 7 رؤساء حكموا لفترات متفاوتة، ويمكن تصنيفهم إلى صنفين : الصنف الأول هم الرؤساء ( لي جابوهم) ، والصنف الثاني هم الرؤساء (لي جابو روحهم).
البداية كانت حين لاحت تباشير النصر وصار خروج فرنسا من الجزائر بعد 132 سنة من الاحتلال مسألة وقت وكانت السلطة الشرعية هي الحكومة المؤقتة برئاسة بن يوسف بن خدة، حينما قررت جماعة وجدة الاستيلاء على الحكم وأخذ زمام الأمور في جزائر ما بعد الاستعمار وكانت وسيلتها في ذلك جيش الحدود بقيادة العقيد هواري بومدين.أثناء ذلك الشذ و الجذب أرسل العقيد هواري بومدين مبعوثه عبد العزيز بوتفليقة الى سجناء الينوى الذين حولت فرنسا طائرتهم العائدة من مؤتمر بالمغرب في أول عملية قرصنة في تاريخ الملاحة الجوية، كانت رغبة جماعة وجدة في الاستيلاء على الحكم تعيقها مسألة الشرعية .لذلك قررت الاعتماد في هذه المهمة على أحد سجناء الينوى الذين بقدر ما لم تكن تنقصهم الشرعية وهم من مجموعة ال22 التاريخية (أحمد بن بلة،محمد بوضياف،وحسين آيت أحمد إضافة الى رابح بيطاط ومحمد خيضر والكاتب مصطفى الأشرف.).فإن اختطاف طائرتهم ووضعهم في السجن أضفى عليهم نوع من القداسة والكاريزما ، عرض الأمر على محمد بوضياف(لقد قررنا تحمل المسؤولية وبودنا لو نعمل سويا ،هكذا قال مبعوث رئيس الأركان لبوضياف) لكن نقاء الرجل واخلاصه جعلاه يترفع عن الأمر رافضا الأمر جملة وتفصيلا.أما حسين آيت أحمد السياسي المثقف فكانت – ومازالت- قناعاته راسخة وهي أن الجيش والعسكر لا يجب أن يمارس السياسة .لكن أحمد بن بلة قبل العرض،فكانت ازمة صائفة 62 أو حرب الولايات والتي انتهت بصرخة رئيس الحكومة المؤقتة بن يوسف بن خدة (7 سنين بركات).وانسحب فاسحا المجال لدبابات جيش الحدود بقيادة العقيد هواري بومدين لدخول العاصمة وتنصيب أحمد بن بلة رئيسا للدولة الفتية . فكان الرئيس الأول للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية من الصنف الأول أي الرئيس (لي جابوه).وبعد أقل من 3 سنوات (طلعتلوا الفهامة للراس) ونسي نفسه وبدأ يعبث بعش الدبور.فعزل وزير الداخلية أحمد مدغري.ثم وزير الخارجية عبد العزيز بوتفليقة.وضم منصب وزير الاعلام لمناصبه الستة(رئيس الجمهورية ، رئيس مجلس الوزراء،وزير الخارجية ، وزير الداخلية ،وزير الإعلام ، الأمين العام للحزب الواحد جبهة التحرير الوطني) .ثم زاد الطين بلة حين استغل تنقل وزير دفاعه هواري بومدين للقاهرة لتعيين رئيس للأركان العقيد الطاهر زبيري دون استشارته.حين عاد بومدين قرر وضع حد للمسرحية التي استمرت 3 سنوات.وأن الرجل الذي وضعوه في الواجهة للحكم بواسطته (أنبت قرونا) يجب تقليمها.ووقع الاجتماع وحل الاتفاق وكان يوم 19 جوان 1965 حين استيقظت الجزائر على وقع انقلاب عسكري سمي تصحيحا ثوريا واستيقظ العاصميون على مشاهد الدبابات تملأ شوارع العاصمة(في البداية اعتقدوا أن للأمر علاقة بتصوير مشاهد من فيلم معركة الجزائر!) وكان أن نفس الدبابة التي حملت بن بلة لسدة الحكم ومنحته السلطة على طبق من ذهب هي نفس الدبابة التي خلعته : دبابة هواري بومدين. وكان بالتالي بومدين من الصنف الثاني أي الرئيس لي جاب روحو.حيث اعتمد في ذلك على نفسه وقوته الشخصية وتحالفاته.وقاد انقلابا عسكريا بصفته وزير الدفاع الوطني والأب الروحي للجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني.حكم ل 11 سنة باسم التصحيح الثوري ومجلس الثورة لغاية سنة 1976 وبعد اصدار دستور جديد تقدم للانتخابات (أو الاستفتاء) كمرشح للحزب الواحد.وحكم كرئيس جمهورية أقل من 3 سنوات قبل أن ينتقل إلى رحمة الله . بعد وفاته حصرت الترشيحات لخلافته بين وزير خارجيته عبد العزيز بوتفليقة .وأمين عام الحزب الواحد محمد الصالح يحياوي. اعتقد بوتفليقة وخاصة بعد كلمتة التأبينية في مقبرة العالية وبكائه على رفيق دربه أن الطريق صار ممهدا أمامه لاعتلاء سدة الحكم.وكان قبل ذلك قد بحث عن دعم الاليزي حين عاد من زيارة لبومدين في المستشفى في موسكو حين أمر بتغيير مسار الطائرة والمرور فوق الأجواء الفرنسية حيث أبرق للرئيس الفرنسي جيسكار ديستان يعبر له فيها(عن إستعداده للعمل سويا من اجل بناء علاقات على أسس دائمة).لكن لا دعم الاليزي الذي بحث عنه ولا شعبيته التي زادت بعد دموعه التي انسابت بغزارة في العالية شفعا له، في أوائل جانفي1979 رن الهاتف في منزل وزير الخارجية عبد العزيز بوتفليقة،كان المتصل عضو مجلس الثورة السابق العقيد الشاذلي بن جديد وكان نص المكالمة:( ياسي عبد العزيز، يا أخي، راهم الجماعة فرضوا عليّ باش نكون رئيس)؟! الشاذلي لم يقل لا أن الشعب اختاره ليكون رئيسا ولا أنه استولى بنفسه على زمام الأمور،بل الجماعة فرضوا عليه ذلك وحتموا عليه الرئاسة أي جابوه! ومن – جابوا – هو رئيس جهاز الأمن العسكري المرحوم قاصدي مرباح .وهذا الرئيس لي جابوه بدأ بعد فترة بعد أن تغيرت موازين القوى وصعود شخصيات جديدة من العربي بلخير لمحمد الشريف مساعدية يضيق بالأمر الواقع المفروض عليه.حاول منتصف الثمانينات إدخال إصلاحات سياسية واقتصادية وقف محافظو الحزب الواحد ومنظماته الجماهيرية بقوة في وجهها.حاول إدخال إصلاحات اقتصادية فاتهم بموالاة الغرب الليبرالي والتراجع عن الاشتراكية التي كانت خيارا لا رجعة عنه.وحاول إدخال إصلاحات سياسية عن طريق خلق منابر داخل الحزب الواحد فجوبه بالمادة ال120 الاقصائية التي تمنع غير منتسبي الحزب من تولي مسؤوليات في الدولة.لكنه بعد زلزال اكتوبر1988 قرر الاعتماد على قوى من خارج النظام لفرض رؤيته.لكن الحصان الذي راهن عليه كان جامحا .إذ حاول لعب ورقة تيار الاسلاميين والجناح الراديكالي منه لكن الورقة التي لعبها كانت سيلا عارما كان لا بد من وقفه.فكان 11 جانفي92 .وكما (جابو)قاصدي مرباح في جانفي1979 عزله خالد نزار في جانفي1992.حينها قرروا (يجيبوا) رئيس من طينة أخرى،ووقع الاختيار على محمد بوضياف .شخصية تاريخية من مجموعة ال22. ومن مجموعة الستة التي فجرت الثورة التحريرية.سي الطيب الوطني الذي لم يتورط في صراعات ثورة التحرير حيث كان من السجناء الخمسة بإلينوى.ولم يتورط مع سلطة بعد الاستقلال، وبعد مفاوضات معه بمنفاه في القنيطرة المغربية قرروا (يجيبوه) ونزل في مطار هواري بومدين يوم 16 جانفي1992 نزول الفاتحين.وهكذا وبعد أن رفض الاستيلاء على الحكم سنة1962 عبر دبابة جيش الحدود.استلمه بعد 30 سنة عبر دبابة الجيش الوطني الشعبي.لكن الرجل النقي الوطني ذهل لما يحدث من فساد وسوء تسيير وعبث.وحين قرر تصفية الأمور وغربلة الرجال وقع ما وقع في جوان1992.من قتله ؟ التاريخ وحده سيجيب عن الأمر؟ حينها تقرر أن (يجيبوا)رئيس آخر لسد الفراغ ووقع الاختيار على عضو المجلس الأعلى للدولة عقيد جيش التحرير علي كافي لأقدميته في الجهاد وترأسه حينها منظمة المجاهدين ولكن كذلك لأنه يتقن العربية! ثم اختاروا له رئيس الحكومة المتمثل في شخص بلعيد عبد السلام الذي قالها بصريح العبارة وعلى التلفزيون على المباشر(أنا جابني الجيش).لكن بعد فترة تبين أنه لا يصلح فأمروا علي كافي بإقالته فأسر له بعبارة صريحة(يا سي بلعيد أنا وأنت مجرد خضرة فوق عشا).وقام بصفته خضرة فوق عشا ووفق :أمر طبّق بإقالة رئيس حكومته.
في جانفي 1994 انتهت عهدة رئيس الجمهورية(التي اختصرت أصلا في 92 واستكملت صوريا عبر المجلس الأعلى للدولة).وبما أنه لم يكن بالإمكان تنظيم انتخابات رئاسية نظم ما عرف بندوة الوفاق الوطني كان هدفها اختيار رئيس جديد للدولة.وكان في البداية متفقا أن تختار الأحزاب الرئيس(الذي اختاروه لهم وهو عبد العزيز بوتفليقة)لكن الأحزاب رفضت واختارت مرشحها رابح بن شريف.وبوتفليقة رفض أن تختاره الأحزاب واشترط أن يعينه الجيش عبر المجلس الأعلى للأمن. وافق العسكر على أن يحضر ولو لدقائق ندوة الوفاق الوطني.لكنه رفض وحزم حقائبه وطار إلى جنيف. هنا تم و في ساعة متأخرة من الليل تغيير المادة التي تعطي الحق للأحزاب المشاركة في الندوةاختيار الرئيس بعد أن وصل إلى مسامع المقررين أنهم اختاروا رئيس حزب مجهري وهو رابح بن شريف. وجابوا وزير الدفاع اللواء اليمين زروال وهذا بعد مفاوضات عسيرة أقنعوه خلالها بتحمل المسؤولية وإنقاذ سفينة الجزائر التي كانت تغرق.حكم لحوالي سنتين ونظم انتخابات رئاسية فاز فيها .لكن بعد ثلاث سنوات قرر رمي المنشفة بعد أن تبين له أن (لي جابوه)يشتغلون لحسابهم الخاص في بعض الملفات دون الرجوع إليه كرئيس للجمهورية(قضية الهدنة مع جيش الإنقاذ لمدني مزراق).كما أن الحملة الإعلامية التي استهدفت محيطه (قضية وزير العدل محمد آدمي.وقضية فضائح مستشاره الجنرال محمد بتشين) جعلته يقرر الانسحاب . في ربيع 1998 حسم أمره لكنه منحهم فرصة لكي(يجيبوا )خليفة له.هنا تحرك اللواء العربي بلخير وأراد تسويق شخص عبد العزيز بوتفليقة.الفريق محمد العماري رئيس الأركان واللواء محمد مدين توفيق رئيس جهاز الأمن و الاستعلامات ونائبه إسماعيل العماري لم يروا مانعا في الأمر .عكس اللواء خالد نزار الذي رفض وذكر رفاقه كيف جعلهم في ورطة حين هرب سنة 1994.لكن خالد نزار98 ليس نزار92 ونفوذه تقلص في صناعة القرار.الثلاثي الأول حزم أمره وراهن على بوتفليقة بصفته (المرشح الأقل سوءا).هنا خطب زروال في سبتمبر 98 مخاطبا الشعب الجزائري أنه قلص عهدته وقرر تنظيم رئاسيات مسبقة في فيفري1999. وبعد مشاورات مع الأحزاب تم تأجيلها إلى أفريل.انتخابات شارك فيها أحمد طالب الإبراهيمي ومولود حمروش ومقداد سيفي وحتى الدكتور يوسف الخطيب كأبناء للنظام طبعا رفقة عبد العزيز بوتفليقة.وحسين آيت أحمد وعبد الله جاب الله من المعارضة. لكن (لي يجيبوا الرياس)اختاروا من الخماسي من اعتقدوا أنه أقل سوءا .رباعي النظام وثنائي المعارضة اشتموا الطبخة،ثم تذوقوها مع بدء اقتراع القوات النظامية والجالية والصناديق المتنقلة وقرروا الانسحاب.ويوم اقتراع عامة الشعب خميس 15 أفريل 1999 وعلى الساعة الثانية زوالا جاء المترشح الذي بقي وحيدا عبد العزيز بوتفليقة إلى فيلا عزيزة مقر مؤسسة بوضياف وهو في قمة الغضب، (لي جابوه) قرروا أن يعتبروه فائزا بنسبة 53 % من الأصوات.واعتبر النسبة مهينة وأنه لن يرضى بأقل مما حازه زروال في انتخابات1995.أرملة بوضياف تتصل باللواء توفيق:المترشح الرئيس القادم يهدد بالانسحاب هو الآخر .توفيق يأتي على عجل ،يدخل في ملاسنة مع الرئيس القادم للجزائر.ثم ينفرد به وبعد محادثات دامت لساعات يستجيب لمطلب رئيس الجزائر بعد ساعات.صبيحة اليوم الموالي : وزير الداخلية عبد المالك سلال يعلن فوز المترشح عبد العزيز بوتفليقة بأكثر من 73% من أصوات الشعب.يعقد بوتفليقة الرئيس المنتخب انتخابا حرا و شفافا ونزيها ندوة صحفية ونبرة صوته التي طغت عليها بحة واضحة تبين اللغط الذي حدث الليلة السابقة.هناك تحدث عن برنامجه الذي يتمحور على ثلاث محاور يرى أن تحقيقها سهل:إخماد نار الفتنة ،إنعاش الاقتصاد الوطني.إرجاع الجزائر لمكانتها الدولية.
7 رؤساء تداولوا على حكم الجزائر بعد 50 سنة من استعادة حريتها ، 6 رؤساء جابوهم :الأول طغى على عهده الخطابات الشعبوية و الديماغوجية ومحاولة ركوب موجة موضة زعامات تلك الفترة.والثاني وبدل إصلاح عيوب و إخفاقات سلفه عمل على تفكيك انجازاته تماما.فكان زلزال أكتوبر 1988.وكانت طامة جانفي 1992.والثالث في عهده انفلت الوضع الأمني ودخلت الدولة في حرب مع مواطنيها بين رميهم في معتقلات رقان وفرار الناجين للجبال.والرابع انطلقت آلة القتل في عهده واغتيل المثقفون و الصحفيون ورجال الدولة السابقين. وفي عهده عجزت الدولة عن تسديد ديونها وسلمت قرارها الاقتصادي لصندوق النقد الدولي و البنك العالمي.وفي عهده دخل في حوار لإنقاذ الدولة المحتضرة مع جمعيات التنس و البيئة وركوب الخيل.والخامس استكمل في عهده فرض املاءات الهيئات المالية الدولية.ودخلت الجزائر في حصار غير معلن وقوطعت مطاراتها وطائراتها ومواطنوها.وفي عهده ارتكبت أبشع المذابح الجماعية.أما السادس ففي عهده تمكن الإرهاب من الوصول لمؤسسات الدولة التي لم يصل اليها حتى ابان عشرية التسعينات.في عهده فجر قصر الحكومة و المجلس الدستوري ومفوضية الأمم المتحدة والمدرسة العليا للدرك الوطني بيسر والأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال . وفي عهده شهدت الجزائر أكبر الفضائح المالية من قضية الخليفة إلى قضية البنك التجاري و الصناعي.مرورا بقضية مجمع تونيك ، الى اختلاس 3200 مليار من البنك الخارجي. مرورا بفضيحة نزل الشيراتون وقصر المؤتمرات بوهران ومجلس قضاء تلمسان إلى الطريق السيار و الميترو وفضيحة سوناطراك إلى سرقة أطنان من ورق صناعة العملة تمهيدا لإغراق السوق بالعملة المزورة. دون الحديث عن الاختلاسات (الصغيرة)لموظفي البنوك و البريد والضرائب ورؤساء البلديات.وفي عهده تراجع صوت الجزائر خارجيا ولم يعد له وزن حتى في قضايا الجوار.
أما الرئيس السابع أو الرئيس الثاني للجزائر وهو الرئيس الوحيد (لي جاب روحو)فيشهد التاريخ وتحتفظ الذاكرة الجماعية أنه (ورغم النقائص والأخطاء وربما الخيارات السيئة) إلا أنه الرئيس الذي في عهده بنت الجزائر المصانع الضخمة و المنشآت العملاقة في عهده بني مركب الحجار وارزيو و سكيكدة وحاسي مسعود و حاسي الرمل.وفي عهده بنيت كبريات الجامعات التي حجزت بها الجزائر مكانة مرموقة في نوعية التعليم . وفي عهده كان للجزائر صوتا مسموعا في المحافل الدولية وكانت دولة محترمة كلمتها مسموعة.الكل يجمع لغاية اليوم أن عهده كان الفترة الذهبية للدولة الجزائرية الفتية داخليا وخارجيا.
فما أحوج الجزائر الآن لرئيس (يجيب روحو) قوي حازم صارم يقرر فيقول وينفذ .رئيس يقوم بترميم النظام المتهالك وإصلاحه وتطهيره. رئيس يعيد قاطرة الجزائر إلى السكة الصحيحة. الجزائر اليوم بحاجة لرئيس بهذه المواصفات ولو (جاب روحو) بطريقة غير دستورية !!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق